تخليص العاني من ربقة جهل المعاني
الجزء ١ · صفحة ٢٧٦مطلق غير معتبر فيه تعلقه بمفعول، أو ببكاء الدمع فلا يصح بيانه بالبكاء الثاني، إذ لا يقال: لو شئت أن تعطي درهما أعطيت در همين، إلا أنه قد يقال ذلك لداع، كالمبالغة في الإعطاء إذا قصدت في المثال بأنّ نفسه لا تطاوع إلى درهم واحد، ولو حذف الأول لتوهم أن المراد " لو شئت أن تعطي در همين " وقال صدر الأفاضل تلميذ الزمخشري في كتاب له سماه: (ضرام السقط شرح لكتاب يسمى سقط الزند: حاصله أنّ مفعول "أبكي" محذوف على التنازع أو هو تفكر آخر البيت فإنّه مفعول لـ "بكيت" أو "لأبكي" وإن مفعول المشيئة لم يحذف لأن تعلّق المشيئة أنه لما كان معمول المشيئة مما يكون تعلّق معمولها به غريبا، عد كأنه
من
ببكاء التفكر غريب يعني معمول المشيئة، إذ كان سبب الغرابة، فذكر أو جعل كالمذكور، لأنّ المتنازع فيه إن كان له فظاهر، وإن كان لبكيت فقد اكتفى لفظان لتوجه معناه إليه. وقد قيل: بجواز حذف الفضلة الثاني المهمل عن المتنازعين، وحاصل ذلك أن تعلّق المشيئة ببكاء التفكّر غريب، كتعلّقها ببكاء الدم، ويجوز أن يكون المعنى: قد صرت بحيث أقدر على بكاء التفكّر، كما يقول قدرت على ما لم يقدر عليه غيري لا أن يكون المعنى لو أردت بكاء التفكّر لفعلت، لأن قوله: " لم يبق مني الشوق غير تفكري" يأبى هذا المعنى عند التأمّل الصادق؛ لأنّ القدرة على بكاء التفكر لا تتوقف على أن لا يبقى فيه غير التفكّر وإن قلت: المراد قد صرت أقدر على بكاء التفكر فقط دون بكاء الدمع والدم ونحوهما، وهنا يتوقف على أن لا يبقى التفكر قلتُ: يدفعه تخصيص الدمع بعدم البقاء في هذا الوجه، أي لم تبق مادة الدمع في ألا يقال المراد ولا غيره. والله أعلم.
باب حذف المفعول به لئلا يتوهم أولا إرادة غير المراد
ذلك كقوله [أي قول البحتري]: [من الطويل]
وَكَمْ ذُتَ عَنِّي مِنْ تَحَامُلِ حَادث
365
وَسَوْرَةٍ أَيَّامٍ حَزَزْنَ إِلَى الْعَظْم 30
أي قطعته إلى العظم، فحذف المفعول به وهو "اللحم " لأنه لو ذكر لتوهم قبل ذكر قوله إلى العظم أن القطع لم ينته إلى العظم ولا يقال لو قال جززن إلى العظم اللحم لم يحصل التوهم، لأنا نقول لا يجب أن تكون مطّردة منعكسة فحصولها مع شيء كتقدّم إلى العظم لو قدم، وذكر
365 ـ الديوان 185:1
260