تخليص العاني من ربقة جهل المعاني
الجزء ١ · صفحة ٣٣٥ذلك حالا لنفسه وكالتنبيه على الضلال عن أمر؛ لأنّ الاستفهام عن الشيء يستلزم تنبيه المخاطب عليه وتوجيه ذهنه إليه، فإذا سلك طريقا واضح الدلالة بزعم المتكلم، كان هذا غفلة من المخاطب عن الالتفات إلى ذلك الطريق، فإذا نبه عليه ووجه ذهنه إليه كان تنبيها له على ضلاله، فالاستفهام عن ذلك الطريق يستلزم توجيه ذهنه إليه المستلزم له أن يعلم أنه على ضلال، كقوله تعالى {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) 439 القصد استعلام مذهبهم بل التنبيه على ضلالهم، وأنه لا مذهب لهم ينجون به، وكثير ما يؤكد هذا الاستعمال بالتصريح بالضلال، فيقال لمن ضل عن طريق القصد: " يا هذا إلى أين تذهب قد ضللت فارجع " فالتنبيه على الضلال لا يخلو من الإنكار، وفي استعمال الاستفهام في الآية دون التصريح بكونه طريق ضلال مبالغتان إحداهما: أن كونه ضلالا أمر واضح يكفي في العلم به مجرد الالتفات إليه والثانية: إيهام أن المخاطب أعلم بذلك الطريق من المتكلم حتى يحتاج إلى سؤال عنه. وكالوعيد لأنّ الاستفهام ينبهه على جزاء إساءة الأدب، وهو يستلزم وعيده لاتصافه بها، كقولك لمن فعل ما يوجب التأديب بالضرب أو نحوه كالسجن: " ألم أؤدّب فلانا " إذا علم ذلك الفاعل أنك أدبت فلانا وأنت تعلم أنه يعلم ذلك، فيفهم معنى الوعيد، والتخويف فلا يحمل المخاطب الاستفهام على حقيقته، وعلمه بذلك قرينة اعتبرها المتكلم في إخراج الاستفهام عن حقيقته، وفي العدول عن الاستفهام عن الإثبات، بأن يقول: "أأدبت فلانا" إلى الاستفهام عن النفي إيهام أنّ المخاطب اعتقد نفي التأديب، فلذلك أقدم على ذلك الفعل وفيه من المبالغة ما لا يخفى. وكالتقرير لأنّ الاستفهام يلزمه الحمل على الإقرار بالمستفهم عنه مع سبق الجهل من المتكلم، فاستعمل في مطلق الطلب، ثم في الطلب مع العلم وهو نفس التقرير. والتقرير حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه وإلجاؤه إليه وليس التقرير هنا بمعنى التحقيق والتثبيت كما هو الاستعمال المشهور في الفن، بل ذلك تقرير نحوي. ولو صح أن يكون الاستفهام للتقرير بهذا المعنى لأنّ الاستفهام المذكور يقرّر ويثبت الحكم المعلوم للمتكلم في ذهن المخاطب، لأنّ الاستفهام يستدعي توجهه إليه وإحضاره والجواب عليه، ويجب أن يلي المقرر به الهمزة" غالبا، وقد يفصل النافي أو غيره، تقول: " أضربت زيدا " في تقريره زيدا بالضرب و" أأنت ضربت زيدا " في تقريره بالضارب "و " أزيدا ضربت " في تقريره بالمضروب و" أراكبا جئت
11
319
26
439 ـ التكوير