تخليص العاني من ربقة جهل المعاني
الجزء ١ · صفحة ٣٦٦وهذا سؤال عن السبب المطلق، فناسب أن لا يؤكد في الجواب، وكأنه قيل: هل هو حقيق بالإحسان؟ وهو سؤال عن سبب خاص فناسب ذكر ما يغني عن التأكيد في الجواب، وهو موجب الاستحقاق وهو الصداقة القديمة، وهذا القسم الذي هو ذكر الصفة أبلغ من القسم الأول لاشتماله على بيان السبب الموجب للحكم، كالصداقة القديمة في المثال من حيث أن تعليق الحكم بالمشتق يؤذن بالعلية، وقد يقال في الأول أيضا بيان السبب وهو كونه حقيقيا بالإحسان، كما يدلّ عليه كونه جوابا عن السؤال المقدّر عن السبب، نعم في الثاني زيادة بيان سبب السبب فهو أبلغ من هذه الجهة، وإن قلت السؤال: إن كان عن السبب في هذه الأمثلة المذكورة في القسمين فالجواب مشتمل على بيان السبب بني على اسم أو صفة فكيف يخص البيان بما بني على الصفة؟ وإن لم يكن السؤال عن السبب فلا وجه لاشتمال الجواب على بيان السبب سواء ذكر الاسم أو الصفة، كما لم يشتمل عليه قوله تعالى قال سلام وقول الشاعر "صدقوا " قلت: الأول بين سبب الحكم، والثاني بين الحكم، والثاني بين سبب سَبَب الحكم - كما مر آنفا والحكم في ذلك أعني به المحكوم به، وأيضا فرق بين بيان سبب الحكم الذي في الجواب وبيان سبب الحكم المتضمن للسؤال، فإن قولنا: " زيد حقيق بالإحسان " بيان لسبب الإحسان إلى زيد مع أنه لا يشتمل على سبب استحقاقه للإحسان، والله أعلم. وقد يحذف صدر ما هو جواب لسؤال مقدر أو عجزه، فمثال حذف العجز "نعم الرجل زيد" على أن المخصوص مبتدأ محذوف الخبر أي زيد هو، ومثال حذف الصدر قوله تعالى يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ. رِجَالٌ .. 489 في قراءة بناء "يسبح" للمفعول، فـ (له) نائب الفاعل متعلق به، وفيها فضلة متعلّق به أيضا، وكذا بالغدو" وذلك أولى من العكس، لأن نائب الفاعل أحق بالتقديم ولأنّ إسناد التسبيح على ذلك الوجه أولى من إسناده إلى فيها؛ إذ التسبيح الله لا بدّ وليس لا بد من إيقاعه في المساجد، و (رجال) فاعل، لمحذوف كأنه قيل: من يسبح له بكسر (الباء)، فقال: يسبح له رجال، وإنما يدلّ عليه يسبح المذكور في الآية لا الذي في السؤال، لأنّ
489
-
-
النور جزء من 36 وجزء من 37 - الآيتان الكريمتان في فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلْبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ)
350