تخليص العاني من ربقة جهل المعاني
الجزء ١ · صفحة ٣٩٧فللإيجاز معنيان كونه أقل من عبارة المتعارف وكونه أقل مما يقتضيه ظاهر المقام، والاختصار مرادف للإيجاز؛ فتارة يعبر في المفتاح 538 بالإيجاز، وتارة بالاختصار فيما هو بالنسبة إلى مقتضى المقام، فلعل الإيجاز أخص
منه
"1
وكذلك للإطناب معنيان كونه أكثر من عبارة المتعارف وكونه أكثر مما يقتضيه ظاهر المقام. وبين معنيي الإيجاز وكذا بين معني الإطناب عموم من وجه وخصوص من وجه، يجتمعان فيما لو قيل: " رب شخت " فإنّه أقل من مقتضى الحال لاقتضائه أبسط منه لكونه مقام التشكي من إلمام الشيب وانقراض الشباب، وأقل من عبارة المتعارف وهو " يا ربي شخت (بإثبات حرف النداء وياء المتكلم)، وينفرد الثاني وهو كونه أقل مما يقتضيه المقام في الآية، إذ يقتضي المقام أكثر منه كما مر والمتعارف أقل منه وينفرد الأول وهو كونه أقل من المتعارف بنحو قول الصياد: " غزال " عند خوف فوت الفرصة، فإنّه أقل من المتعارف وهو " هذا غزال وليس أقل مما يقتضي المقام، وقيل المقبول من طرق التعبير تأدية المراد بلفظ مساو له بأن يؤدى بما وضع الأجزائه مطابقة لفائدة وهو المساواة أو بلفظ ناقص عنه (واو) بأن يؤدي بأقل مما وضع لأجزائه لفائدة وهو الإيجاز. ومنه " حمدا لك " أو بلفظ زائد عليه لفائدة بأن يكون أكثر مما لأجزائه مطابقة وهو الإطناب. ومنه " جاء حيوان ناطق " فإنّه إطناب؛ ومساواته " جاءني إنسان " وإيجازه " جاء إنسان ". وإن كان اللفظ ناقصا أنه لم يف بالمراد لم يكن إيجازا مقبولا، كقول الحارث بن حلزة اليشكري من الكامل المجزوء [المضمر] المرقل:
وضع
وَالْعَيْشُ خَيْرٌ فِي ظِلا
539
مع
لِ النَّوْكِ مَمَنْ عَاشَ كَدًا 540
لأن المراد: والحياة الناعمة في ظلال الحماقة خير من العيش الشاق في ظلال العقل، واللفظ غير واف بذلك فليس بمقبول، إذ لا يعلم المراد منه إلا بتكلف وتعسف، فلو ظهرت القرينة
538 قال في صفحة 33) الإيجاز هو أداء المقصود من الكلام بأقل من عبارات متعارف الأوساط … وقد تليت عليك فيما سبق طرق الاختصار والتطويل فلئن فهمتها لتعرفن الوجازة متفاوتة بين وجيز وأوجز بمراتب لا تكاد تنحصر.)
539 - نسبة لبني يشكر بطن من بكر وائل، شاعر جاهلي من أصحاب المعلقات
540
ينظر المطول 2:363 والشروح 3:172، ولقد ورد في الديوان بالرواية الآتية
فَالنُّوكُ خَيْرٌ في ظلا
لِ العَيْشِ مِمَّنْ عَاشَ كَدًا
381