تخليص العاني من ربقة جهل المعاني
الجزء ١ · صفحة ٦٣يحفظه
قبل الإخبار، كما في قولك لمن حفظ القرآن " قد حفظت القرآن، فاللازم أعمّ لامساو، وهذا التمثيل يصح بأمرين، أحدهما: أن يعلم أن ما حفظه هو القرآن وإلا فيمكن أن يحفظه من لا يعلم أنه القرآن. والثاني: أن يعلم أنه عالم بأنه حفظه، إذ لا يلزم من حفظه علمه بأنه حفظه، إذ قد من لا يعلم أنه القرآن ولو كان حفظ القرآن لا ينفك عادة عن العلم به، ولا يقال: إن حفظ القرآن معلوم للمخاطب لم يستفد من الخبر ولم يقصد به فكيف يسمى فائدة؟ لأنا نقول: ليس المراد بالفائدة ما يستفاد من الخبر بالفعل، بل ما من شأنه أن يستفاد منه. والمراد بعلم المتكلّم بالحكم حصول صورة الحكم في ذهنه مع الاعتقاد الجازم أو الراجح، وأما الشك والوهم والكذب فليست صيغة الخبر، [أمالي] موضوعة لهنّ؛ لأنّ مَنْ شكٍّ يقول: " إن قام"، أو يقول: " قام زيد أو قعد "، أو يقول: " أشك" أو " تخيلت". أما إذا لم يقل ذلك فلا يحمل كلامه على أنه جاء به لذلك بل على الجزم والرجحان. وسبق أن الخبر لم يوضع للكذب، واستفادة المخاطب الحكم لا يحصل له من الخبر نفسه إلا إذا اعتقد أن المتكلم معتقد للحكم، وذلك معنى كونه عالما به؛ فكلما أفاد المتكلّم الحكم أفاد أنه عالم به. وأما أن يراد بالعلم: مجرد حصول صورة الحكم في ذهن المتكلّم ولو بلا جزم ولا ترجيح، بل مع شك أو وهم أو كذب، أو بدون اعتقاد فلا يصح؛ لأنّ ذلك الحصول لا يعتد به، ولا يسمّى علما ولو كان اصطلاحا للحكماء، أو قيل: اشتهر بين الناس ولا يقال: إذا كان الحكم بدهيا يحتاج إلى أدنى التفات وسماع، فإن المخاطب يستفيد ولو لم يعتقد علم المتكلم؛ لأنا نقول مثل هذا لا يسمّى مستفادا من الخبر، ولا تسمّى تأديته إفادة ولا نسلّم أن إطلاق العلم على الظنّ والتقليد بأمارة، كما قيل مجاز بل حقيقة ولو كان في أصل اللغة مجازا، فإذا شهد عدلان حصل لنا العلم بما شهدا به بمعنى إذعان النفس والتصديق، وكذا كل من صدقنا لا العلم الجازم. وأمّا الجهل المركب فلا يسمّى علما إلا مجازا، وإنما قلنا حصول صورة الحكم مع أن العلم هو الصورة الحاصلة لنفيد أن صورة الحكم إنما كانت علما لحصولها في الذهن، وإن قلت: إذا سمعنا خبرا وحصل لنا منه العلم يكون المتكلّم عالما به حصل في ذهننا صورة هذا الحكم سواء أعلمناه قبل أو لا، فإذا علمناه قبل لم يكن علما جديدا، قلت إما أن ينسى ما علم قبل فيتجدّد علمه بالخبر، وإما أن لا ينساه فيحصل العلم بالخبر أيضا مطابقا للعلم الأول. وأيضا قد علمت
47