تخليص العاني من ربقة جهل المعاني
الجزء ١ · صفحة ٦٥فقد يخلوا ذهنه ولا ينشط بالكلام حتى يؤكد، ويسمّى الخلو عن التأكيد للخلو عن الحكم والتردد والإنكار ابتدائيا؛ لكونه غير مسبوق بطلب أو إنكار.
وأما إن تردّد في الحكم وطلبه فتوكيده حسن وجاز ترك التوكيد وهو أيضا صحيح ولكن لا حسن فيه، ويسمى هذا التوكيد المستحسن طلبيا؛ لأنه مسبوق بالطلب. وإن أنكر الحكـ وجب توكيده و يسمّى هذا التوكيد الواجب إنكاريا؛ لأنه مسبوق بالإنكار.
معه
وعندي أنه قد يخلو ذهن السامع، لكن تعلم أنك إذا خاطبته بأمر [ .... ] وينكره أو يشك فإنك تؤكد له، وإذا لم يكن [ … ] ما إلى التأكيد فالتأكيد جائز لعدم [الحاجة] إليه؛ تقول: " قام زيد "، وتقول لحافظ القرآن الذي خلا ذهنه عن علمك بحفظه وعدمه والتردد: " حفظت القرآن " بلا تأكيد. ويجوز أن يلتحق بخالي الذهن منكر الحكم أو الشالث فيه إذا كان معه من الدلائل، ما إن تأمله بعقله ارتدع عن الإنكار أو عن شكه، كقولك لمنكر الإسلام: " الإسلام حق " بلا تأكيد، وإن أكدت فقلت: " إنّ الإسلام حق "، " وإن الإسلام الحق "، و " والله إنه لحق" جاز. وإن وجد الدليل في نفس الأمر ولم يكن لم يلحق بخالي الذهن وممن التحق به لوجود الدليل معه - المخاطبون بقوله تعالى: لا رَيْبَ فيه " فإن المشركين أنكروه، لكن إنكارهم كالعدم لوجود أدلة؛ كون القرآن ليس من مظان الريب، فمعنى لا ريب فيه) أنه ليس مما يقبل الشك لوضوح أدلّة كونه حقا، وهذا المعنى أنكروه وجعلوا القرآن قابلا للشك، وشكوا فيه بل أنكروه، ومع هذا لم يؤكد لوضوح الأدلة، وليس معناه أنه لم يشك فيه، فضلا عن أن يقال: إن الأحسن أن يقال: تنزل ريب المرتابين منزلة عدمه تعويلا على وجود ما يزيله من الأدلة الواضحة، ولا يقال: إنه قد أكد في الآية بكون النفي بلا النافية للجنس، لأنا نقول: هذا النفي قدر لا بدّ منه بحيث يفيد الاستغراق نصا، وإنما التأكيد المتكلم عليه الآن أن يزاد على القدر الواجب للكلام، مثل: " والله لا ريب فيه "، ولا يخفى أن الآية خطاب للنبي والصحابة تبع بدليل الخطاب بإليك وقبلك، لكنّهم لم يرتابوا، فهي موجهة للمرتابين المشركين؛ وهذا التوجيه خطاب لهم.
- البقرة 2 - الآية الكريمة (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)
49
65
-