الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٣٣فيالهما من نبرتين إيمانيتين تنبني عليهما الحضارة الحق فلا حياة في العمران إلا بالأمن ولا أمن إلا بالإنابة للذي بيده ملكوت كل شيء
وإليه المرجع والمصير.
ثم تأتي النبرة الثالثة
ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة، فاجعل أفئدة من النّاس تهوي إليهم، وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون.
إن الإيمان الراسخ هو الذي دفع إبراهيم إلى إسكان أهله بهذه
الربوع بمكة المكرمة، إنها طاعة الله، إنّه الاستسلام لأمر الله. ويلاحظ إبراهيم أن حياة هذا الوادي لا تقوم على الفلح لأنه موطن غير ذي زرع لكن الله تعالى اختاره من بين جميع مافي الأرض من أماكن وجعله موطنا لبيته المحرم، وفي هذا من الدلالة مافيه على أن الفضل بيد الله يهبه لمن يشاء لأنه وحده يعزّ من يشاء ويذل من يشاء. إن مقاييس البشر المادية تقول عندما تطوف في جبال مكة الجرداء، لا سبيل إلا إلى حياة نكدة في مثل هذه الربوع، خاصة إذا قورنت بأرض فلسطين أو ببلاد ما بين النهرين، أو بضفاف النيل تلكم
الأماكن التي عرفها إبراهيم، وتبين ما فيها من خصب ورخاء. إنّ إبراهيم لم يخطر بباله ولو للحظة أن يعترض على الإرادة الالهية،
- 133 -
-