الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٣٨الأجساد فتتعانق بحق بما جعل الله فيها من عقول، فلا تفكر إلا في ما
يعود بالنفع على البلاد والعباد.
ما أبعد نظرة إبراهيم عليه السلام حيث رجا من الله عزّ وجلّ أن
أن
يكون مسكن ذريته منطلق كل حضارة ومرجعها، إذ ما عسى تفعل هذه الأفئدة العاشقة عندما تلتقي هناك فتبعث الأنس في أهل
البلاد، إنها تقتبس منهم ما تفتقده من معاني السمو فتنشره في ربوعها عندما ترجع وتمكنهم من جميع خبراتها فتسكبها هناك، وإذا بذرية إبراهيم - وهم عند بيت الله المحرم بواد غير ذي زرع - يتعايشون بدون عناء مع البشرية الموزّعة في أطراف الأرض، وذلك في كل لحظة من لحظات حياتهم إذ لم يربط إبراهيم ذلك بزمن محدد،
وكذا كانت العمرة في كل زمان إلى جانب الحج المحدد بالزمان. وفعلا فقد هوت الأفئدة إلى تلكم الذرية من كل أطراف المعمورة حيث يتمازج العربي مع الصيني والياباني والأوروبي والإفريقي والأمريكي والأسترالي ربهم واحد، وقبلتهم واحدة، ودينهم واحد أسلمت لرب العالمين.
ثم بعد ذلك لم يغفل إبراهيم عن المعاش إذ لا تستقيم الحياة الروحية إلا بتلبية رغبات الجسد لأنّ الإسلام يراعي هذه المعادلة البشرية، فللروح نصيب وللجسد نصيب، وللعقل نصيب، ذاك
هو الإنسان المسلم.
- 138 -