الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٠إنّه معنى سام لا يدركه إلا من جاهد في الله حق جهاده، وما يزال إبراهيم دؤوباً في جهاده.
إنه الشوق الروحي إلى ملابسة السّر الإلهي أثناء وقوعه العملي.
إنه إبراهيم ينشد اطمئنان الأنس إلى رؤية كيفية الإحياء.
وما كان الله ليخيب خليله بعد أن أقر أنّه على يقين من قدرة الله،
ولكنه يريد أن يطمئن قلبه و بَلَى وَلَكِن ليَطْمَينَ قَلَى). البقرة 260. ويطمئن قلب إبراهيم، أي يرتقي درجة أخرى في هذه الطمأنينة التي ينشدها كلّ إنسان إذ هي إكسير الحياة، وبدونها تتحول حياة
الإنسان إلى جحيم. وإن أوتي من متاع الدنيا ما أوتى.
ويمتثل لأمر الله عزّ وجل فيمسك أربعة من الطير، ويصرهن إليه ليتعرف على صفاتهن - لا ليبتلي، ربه كلا وحاشا ـ ولكن ليطمئن قلبه، ثم يذبحهن بنفسه، وتفارق الروح الجسد، إذ لاحراك، ثمّ يقطع هذه الطيور إرباً، ويخلط بينهن، وينطلق ليضع على كل جبل
منهن جزءا.
إنه اليقين يتجلى في جميع حركات إبراهيم عليه السلام. إنّه الإمتثال المخلص لأمر رب العالمين. إنّه الشوق إلى معرفة الحياة. ويبقى الإحياء سراً من أسرار الله إذ أنى لمدارك الإنسان المحدودة أن تعرف
كنه اللامحدود. ذلك عالم آخر استأثر الله عز وجل بعلم حقيقته.