الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٢إن إبراهيم لأواه حليم، فلا يمكن أن يبدأ ولي نعمته والذي كان سببا في وجوده إلا بالحكمة والموعظة الحسنة، وهذا المشهد الوارد في سورة مريم يفصح بجلاء عن أبرز مراحل هذه المحاور الإيمانية بين إبراهيم وأبيه.
يبدأ المشهد بتقرير حقيقتين عن إبراهيم عليه السلام، إنه صديق وإنه نبي، لقد جمع بين المدد الإلهي المباشر عن طريق الوحي، وبين خصلة بشرية راقية هي الدرجة العالية في التصديق بما يأتي من رب العالمين. ذاك هو نموذج الأنبياء والرسل جميعاً، أولئك الذين اصطفاهم ربهم ليكونوا أسوة للعالمين.
وتأتى الإشارة الأولى من الصديق النّبي لأبيه قمة السلطة الروحية في البلاد بنبرة ندية شجيّة هادئة ملؤها التلطف والتأدب والحنان (يا أبت) ويستعد الأب للتلقي من هذا الولد، فيغتنم الابن الفرصة السانحة ويثير العجب لدى أبيه مركزاً على خصال الأصنام التي يعبد الأب دون أن يذكرها باسمها، وما هي الخصال التي يختار إبراهيم (مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا).
إنّه تعريف بحقيقة معبودات أبيه بطريقة مرنة اعتمدت على المسلك غير المباشرد إذ لم يقل لأبيه لم تعبد أصم أعمى عاجزا، وانما اعتمد أسلوب السلب القائم على النفي، ووقع ذلك ألطف على السمع،
- EY -