الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٩٧وليس من صنع البشر. وإن أكبر دليل على ما نقول يتمثل في أنك إذا تأملت جميع تعابير الكتاب العزيز تجد أن المتشابه ينال النصيب الأوفر أثناء السعي إلى ردّه إلى المحكم، وفي هذا ينمي كثير لنمو ما يسمى بعلوم الوسائل من نحو وبلاغة ومنطق وما إلي ذلك مما لا يتم الفهم إلا بها، ولذلك لا سبيل إلى تفسير الكتاب العزيز إلا لمن امتلك زادا واسعا في العلوم الاسلامية، وأنت تعلم أن كل العلوم في منطلقها كانت خادمة للقرآن الكريم إذ منه انبثقت وإليه تعود ذاك أن هذا الكتاب هو الذي بنى لهذه الأمة كيانها منذ تنزل منجما على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أنّ مثل هذه القضايا لم تثر زمن الرسول عليه السلام إلا بلطف كبير وكذلك زمن الرعيل الأول، لكن الاحتكاك بالحضارات الأخرى من يونانية وفارسية وهندية وغيرها جعل الأمر يحتدّ شيئا فشيئا، وقد رأينا كيف أنها كانت من أهم العوامل لافتراق المسلمين. ومثل هذا الافتراق مع استغلاله لبعض الأحوال السياسية جعل الأمر يتحول عن مجراه الطبيعي الموضوعي إلى المجرى العاطفي الذي يحوّل الجدل إلى التنابز بالألقاب، وإلى تسليط التهم، وقضية الرّؤية لم تسلم من مثل هذا التنابز، وإن لم يصل فيها الأمر إلى المحنة العملية، كما هو الشأن بالنسبة إلى خلق القرآن، فأنت ترى أن مثبتي الرؤية يتهمون نفاتها بالتعطيل، وبالتالي هم أهل أهواء وبدع، كما أن نفاتها يتهمون مثبتيها بالتشبيه والتجسيم، والحق يقال إن الكل يرمي إلى التنزيه عدا بعض الأقوال الغريبة التي نتعجب من تسربها إلى بعض علماء الاسلام وإلى وجودها في بعض المصادر التي يثق بها أصحابها، فلا أتصور البتة أن أحدا من النفاة يقول بالتعطيل وينفي كل الصفات عن الله تعالى عندما لا يقُول بالرؤية، ذاك أنّ هذا التيار ألح على أنّ الرّؤية لن تكون رؤية بالمفهوم البشري إلا بما هو متعارف، فألح على أن مثل هذه الرؤية
297 -