الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٦٤تتصور هنالك فرحة إبراهيم (فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِم وهو ما ظلّ يسعى إليه، إنّه الرّجوع إلى النفس التي تشترك مع جميع المخلوقات في التسبيح لرب العالمين إذا لم يدنسها صاحبها بالمعاصي، ونعلم أن أشدّها الشرك لأنّه أكبر الكبائر، وهذا الرجوع إلى النفس هو وحده الكفيل بأن يدفع صاحبه إلى الإنتباه من الغفلة التي تحجب عن الإنسان أبسط الحقائق. ياليت هذه الومضة طالت واستقرت لأنها كانت ومضة صادقة إذ حكمت على كل المواقف السابقة مع إبراهيم
بأنها ظلم يجب أن يتخلى عنه إلى الحق، وهو اعتناق ملة إبراهيم. لكن هذه الومضة الإيمانية سرعان ما طمسها كبرياء القوم، كيف! إنهم كثير وإبراهيم وحده وكيف يخضع الكثير لواحد؟ ولاسبيل حسب زعمهم أن يكون الحق إلا مع الأكثرية. لا. لا. إنّ إبراهيم متمرد على الجماعة وعلى تقاليدها وعلى مقدساتها هذا ما كانت تحدثهم به نفوسهم الأمارة بالسوء، وهي بذلك تردّ على ما في داخلهم من نفس لوامة تجنح إلى الطمأنينة. وكذا حركة النفس الأمارة بالسوء لدى كل إنسان، خاصة إذا كان في جماعة يسيطر عليها جانب الشر، وأي شر أشد من الشرك، إنّه ما يسمى في علم النفس بغريزة القطيع إشارة إلى أن الأغنام إذا إنساقت
واحدة منها ولو إلى الغرق ينساق الكل وراءها.
وانساق القوم مع الأب، وضاعت الفرصة إلى الأبد بالنسبة إلى
- 6 -