شرح القصيدة البلكفية
الجزء ١ · صفحة ١١٦وأما قوله: (إن كنتم تعقلون) (1)، فكأنه (الله) قال: إن كنتم
من العقلاء، عرفتم أنه لا جواب عن هذا السؤال، إلا بما ذكرته، لإمتناع تعريف حقيقته تعالى، إلا بآثاره وأفعاله
ولما أتم موسى حجته مع ذلك القول الخشن الذي دل عليه: إن گنتم تعقلون) (1)، وعجز فرعون عن الحجاج، عدل إلى التخويف والتهديد، كما هو دأب المحجوج المبهوت، بقوله: (لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين)) (2)
وإن إحتجت إلى شاهد آخر، فانظر إلى كلامه تعالى في الفرقان، الذي هُدىً وشفاءً لما في الصدور، فكم ترى فيه من سورة تدل على وجوب النظر في آياته، وكم من آية تهدي إلى لزوم التفكر في مصنوعاته، وكم من سطر ترشد إلى حتم التدبر في كيفية خلقة مخلوقاته، وكم من صفحة تجد فيها الإلزام للتصفح في أفعاله، وكم ورقة تورقك تهديدها عن الغفلة عن آثاره، ولم يذكر فيه اسم تحديد، ولم يرسم فيه رسم ترسيم، مع أنه: (ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مُبِينٍ} (3)
فاعرف ذلك، فإن فيه شفاء لداء العليل، ورواء لظمأ الغليل، والله يهدي من يشاء إلى سواء السبيل
•
فاستشكل السائل وتوهم، أنه يلزم عليه سبحانه، أن يكون في فاعليته مُباشراً للأشياء، فقال: فيُعاني الأشياء بنفسه، أي: يُباشر
(1) سورة الشعراء: 28
(3) سورة الأنعام: 59
-117.
•
(2) سورة الشعراء: 29