شرح القصيدة البلكفية
الجزء ١ · صفحة ١٣٥يتيسر لبعض، من بلغ حد الكمال، وكانت علاقته بالبدن كاللا علاقة، معرفة النفس في هذه النشأة، إلا أن الذي يسهل الخطب، أن معرفة حقيقة النفس وحدها، لا تهمنا في المقام، بل تكفينا المعرفة الإجمالية، بأن للإنسان جزءاً آخر غير هذا البدن، وهو من العالم الأعلى، وعالم الملكوت، ومن جنس المجردات، فإن إختار تربية هذا الجزء ورقاه، التحق بأبناء جنسه، وإن إختار تربية الجزء الآخر، أي: الجزء الحيواني، إلتحق أيضاً بأبناء جنسه.
وإذ قد عرفت ذلك، وعلمت أن للإنسان جزءاً آخر، غير هذا البدن المادي، فاعلم أنه في مبدأ الفطرة، خالية عن الصور كلها، وعارية عن الإتصاف بالوصفين كليهما، أعني: الملكية والبهيمية، قابلة للإتصاف بهما، ونسبته إلى هذا البدن، نسبة الراكب إلى المركوب المُستعار، قد أستعير به له، أياماً وأحياناً، لقطع المراحل في سفره، من ذلك العالم إلى هذا العالم، فيتجر في هذا العالم تجارة، ويزرع زراعة، يتزود بها.
(
وأما المقام الثالث: وهو معرفة الجزء الروحاني المجرد، الذي هو من عالم الملكوت، الذي يُعبر عنه تارة بالعقل، وأخرى بالنفس، وحيناً بالروح، وزمانا بالقلب، والتفرقة بين هذه الألفاظ، فنحن نذكر في هذا المقام، ما ذكره إمام الحرمين، حجة الإسلام، أبو حامد محمد بن
محمد بن محمد الغزالي، نقلاً بالمعنى، وأخذاً بحاصل كلامه غالباً.
فنقول: قال في كِتابه المُسمى: " إحياء العلوم ": اعلم أن هذه الأسماء الأربعة، تستعمل في هذه الأبواب، ويقل في فحول العلماء، من يحيط بهذه الأسامي، وإختلاف معانيها، وحدودها، ومُسمياتها مختلفة،
- 135 -