شرح القصيدة البلكفية
الجزء ١ · صفحة ١٣٨واعلم أن هذا البدن، أمر فان لا بقاء له، وبعد مفارقة الروح، يبلى
ويتلاشى، إلى يوم نشره، وحين حشره، لحساب تجارته، وحصاد زراعته، فيُثاب إن أصلحها، ويُعاقب إن أفسدها؛ وأما الجزء الآخر، فهو باق أبدي، لا زوال له ولا فناء، قال الله): ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون)) (1) من الملأ الأعلى، ومرجعه إليه، ومآبه لديه، إلا أنه مشروط، بأن يكون حين إقامته، في هذه النشأة، مائلاً إليه، ومُراعياً له، ومُربياً إياه،
} (1)، وهو
حتى يظهر أثره فيه، فيفيض عليه في هذه النشأة، فيوضات متوالية وأنوار متواترة، ويسير قلبه مسجداً للملائكة، وبمقدار إهماله في تربية الجزء الحيواني، وعلاقته به، يترجح ذلك الجزء، ويرقى ويتنور قلبه ويتصفى، إلى أن يُفارق هذا البدن، فينكشف عنه الغطاء، كما قال الله تعالى: فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد) (2)، ويتصقل عن قلبه الصدأ، ويزول عنه الآلام، ويبرأ عن جميع الأسقام، فأما إن كان من المُقربين (88) فروح وريحان وجنة نعيم) (3)
(2)
وإذ قد عرفت أن للإنسان جُزأين، فاعلم أن لكل جزء ألماً ولذة، وراحة ومحنة، ومرضاً وصحة، وآلام البدن عبارة عن الأمراض والأسقام، التي بسببها يمتنع عن درك اللذات الجسمانية، وبالمسامحة في علاجها، ينجر الأمر إلى هلاك البدن، وعلم الطب موضوع لذلك، وآلام الروح عبارة عن الأخلاق الذميمة، والصفات الرذيلة، ومُسامحتها
(1) سورة آل عمران: 169
(2) سورة ق: 22
(3) سورة الواقعة: 88 - 89.
- 138 -