شرح القصيدة البلكفية
الجزء ١ · صفحة ١٤٨مسخرة لها، وهي المتصرف فيها، وقد خُلقت مجبولة على طاعتها، لا تستطيع لها خلافاً، ولا عليها تمرداً، فإذا أمرت العين بالإنفتاح إنفتحت وإذا أمرت الرجل بالحركة تحركت، وإذا أمرت اللسان بالكلام تكلم، وهكذا قياس باقي الأعضاء
وتسخير الأعضاء لها، يُضاهي من وجه: تسخير الملائكة من الله، لأنهم أيضاً مجبُولون على الطاعة، لا يستطيعون له خلافاً، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون)) (1)
ويفترقان من وجه: وهو أن الملائكة عالمون بالطاعة والإمتثال،
دون الجوارح والأعضاء؛ فإن الأجفان مثلاً تطيع النفس في الإنفتاح
6
والإنطباق، على سبيل التسخير، ولا خبر لها من نفسها؛ ومن طاعتها وإفتقار النفس إلى هذه الجنود، من باب الإفتقار إلى المركب والزاد لسفرها، الذي خُلقت لأجله، وهو السفر إلى الله تعالى؛ فالمركب هو البدن؛ والزاد هو العلم؛ والأسباب الموصلة إلى الزاد، هو العمل
الصالح.
(
ولا يمكن السفر من غير أن يركب مركب البدن، ويقطع منازل الدُّنيا فإضطرت في هذا السفر إلى أن يتزود من هذا العالم، ولما كان مركبها
البدن، فلابد من تعهده وحفظه، حتى يوصلها إلى المنزل، بأن تجلب إليه ما يوافقه من الغذاء والشراب وغيرهما، وتدفع عنه ما يُنافيه من أسباب الردى والهلاك، فافتقرت لجلب الغذاء وأمثاله، إلى جندين: باطني، وهو: الشهوة؛ وظاهري، وهي: اليد والأعضاء، الجالبة (1) سورة التحريم: 6
-1 EA.