شرح القصيدة البلكفية
الجزء ١ · صفحة ١٤٩للغذاء، فخلق فيها من الشهوات ما يحتاج إليه من آلتها ما يفتقر إليه؛ وافتقر لدفع المُهلكات أيضاً إلى جندين: باطني، وهو: الغضب، الذي يدفع به الأعداء والمهلكات؛ وظاهري، وهي: اليد والرجل، فتستعملها بمقتضى الغضب، وهكذا سائر الأعضاء
وحاصل الكلام: أن هذه الجنود، وإن كانت لا تحصى، إلا أن الرؤساء والأمراء منها أربعة، وهي منشأ كل الصفات، وجل الملكات،
محمودها ومذمومها، وهي: العقل، والوهم، والشهوة، والغضب.
أما العقل: فشأنها إدراك حقائق الأمور، والتميز بين الخيرات والشرور، والأمر بالأفعال الجميلة، والنهي عن الصفات الرذيلة؛ وفائدة القوة الشهوية: تدبير مملكة البدن، التي هي آلة، لتحصيل الكمالات، وإصلاح حال البدن، ليبقى إلى حين رجوع الملك إلى موطنه الأصلي بعد إستكماله في هذا السفر، من المنزل الأول، والمرحلة الدنيا، التي هي الدنيا، ولذا سميت بالدنيا، فإنها من الدنو، بمعنى: القرب، كما في قوله تعالى: (إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى} (1)؛ إذ بقاء البدن شخصاً، موقوف على تناول الغذاء، والشراب، واللباس، وأمثالها من ضروريات الحياة، ونوعاً موقوف على التناكح، والتناسل: وإحتياج هذه إلى القوة الشهوية ظاهر باهر، وثمرة القوة الوهمية، إدراك المعاني الجُزئية، ودقائق الأمور الموصلة إلى المقاصد الصحيحة. وغاية القوة الغضبية، أمران: دفع المضار الخارجة عن البدن، وتأديب القوتين، أي: الشهوية والوهمية، لإمتثال أمر العقل، ومنعهما
"
(1) سورة الأنفال: 42.
•
-129.