شرح القصيدة البلكفية سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي أبو محمد، الشهير بـ "المحقق"

شرح القصيدة البلكفية

الجزء ١ · صفحة ١٦٩

وانشرح الصدر، وانكشف له السر المكنون، وانقشع عن وجه القلب حجاب العزة بلطف الرحمة، وتلألأت فيه حقائق الأمور الإلهية، فليس على العبد إلا الإستعداد بالتصفية المجردة، وإحضار الهمة مع الإرادة الصادقة، والتعطش التام، والترصد بدوام الإنتظار، لما يفتحه الله تعالى من الرحمة، فهذه للأنبياء والأولياء، إنكشف لهم الأمر، وفاض على صدورهم النور، من غير تعلم ودراسة وكتابة للكتب، بل بالزهد في الدنيا، والتبرؤ من علائقها، وتفريغ القلب من شواغلها، والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى، فمن كان الله، كان الله له

وزعموا أن الطريق في ذلك أولاً: بإنقطاع علائق الدنيا بالكلية، وتفريغ القلب منها، وبقطع الهمة عن الأهل، والمال، والولد، والوطن، والولاية، والجاه، حتى العلم، فيصير قلبه إلى حالة يستوي فيها وجود كل شيء وعدمه، ثم يخلو بنفسه في زاوية مع الإقتصار على الفرائض والرواتب، ويجلس فارغ القلب مجموع الهم، ولا يفرق فكره بقراءة قرآن، ولا بالتأمل في التفسير، ولا بكُتب حديث، ولا غيره، بل يجتهد أن لا يخطر بباله شيء سوى الله تعالى.

فلا يزال بعد جلوسه في الخلوة، قائلا بلسانه: الله، الله، على الدوام، مع حضور القلب، حتى ينتهي إلى حالة يترك تحريك اللسان، ويرى كأن الكلمة جارية على لسانه، ثم يصبر عليه، إلى أن يمحى أثره عن اللسان، ويُصادف قلبه مواظباً على الذكر، ثم يُواظب عليه، إلى أن يمحى عن القلب صورة اللفظ، وحروفه، وهيئة الكلمة، ويبقى معنى الكلمة مُجرداً في قلبه حاضراً فيه، كأنه لازم له لا يُفارقه، وله إختيار

-179.