شرح القصيدة البلكفية
الجزء ١ · صفحة ١٧٢الأجل، وهو على هذه الحالة، زاعماً بنفسه أنه على شيء، وهو كما قال تعالى: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً (103) الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يُحسنون صنعاً) (1).
وعن رسول الله): " قصم ظهري رجلان: عالم متهتك وجاهل متنسك "؛ وربما يفسد المزاج في أثناء هذه المجاهدة، ويختلط العقل ويختل، ويمرض البدن، فطريق الحق: أن يتقدم رياضة النفس وتهذيبها بحقائق العلوم، لئلا يتشبث القلب بخيالات فاسدة تطمئن النفس إليها مدة طويلة، إلى أن ينقضي العُمر قبل النجاح بالمقصود.
فكم من صُوفي سلك هذا الطريق، ثم بقي في خيال واحد، عشرين سنة، ولو كان قد أتقن العلم من قبل، لإنفتح له وجه إلتباس ذلك الخيال في الحال، فالاشتغال بطريق التعلم أوثق وأقرب إلى الغرض، وليس ذلك إلا كما لو ترك الإنسان تعلم الفقه؛ وزعم أن النبي ()، لم يتعلم ذلك، وصار فقيهاً بالوحي والإلهام، من غير تكوير وتعلم، فيقول: وأنا أيضاً رُبَّما تنتهي بي الرياضة إلى ذلك
وهيهات هيهات، هم من شجر ونحن من أشجار، ومن ظن ذلك فقد ظلم نفسه، وضيع عُمره، بل ليس هذا إلا كمن ترك الحرث والكسب، رجاء العثور على الكنز، فإن هذا أيضاً مُمكن، لا يستحيل عند العقل، فلابد أولاً من تحصيل ما حصله العُلماء، وفهم ما قالوه، ثم لا بأس بعد ذلك بالإنتظار، لما لم ينكشف لسائر العُلماء، فعساه ينكشف بعد ذلك (1) سورة الكهف: 103 - 104
- 172 -