شرح القصيدة البلكفية
الجزء ١ · صفحة ٢٠٣من أهل العلم، أو ممن يرغب فيه، بعثوهم إلى شيخ من مشايخ طريقتهم، وأستاذ من أساتيذ مذهبهم، ليتعلم تلك المطالب، فيعلمها على طريق الإستدلال.
ثم إذا كان المتعلم صاحب جودة وقريحة، يشتغل بعد التعلم بالتعليم، فيترسخ تلك المطالب في ذهنه غاية الرسوخ، وإذا إنضاف إلى ذلك كله صلاح المُعلم والتقوى، وزهده في زخارف الدنيا، ورغبته في الآخرة والعُقبى، إشتد الرسوخ في الغاية، وبلغ التمكن إلى النهاية، بحيث يعسر زوالها، بل يتعذر استبدالها
•
وإن كان من البطلان بمكان، دال إلى أقصى مدارج الخسران، وأنهى إلى أسفل دركات النيران، ولو خلج في خاطره شك من مزاولة أقوال مخالفيه، أو ولج في ضميره شبهة في سخافة أراء مؤالفيه، اجتهد في تزييف الأول، ولو كان حقاً، وسعى في ترويج الثاني، ولو كان باطلاً، وذلك تارة لشدة الرسوخ المُتقدم، فيُسمي هذه: شكوكاً، في مقابل البداهة، وتارة للعصبية على أسلافه، لشدة حُسن الظن بهم، فلا يظن بهم إلا الحق، ولو شاهد البطلان بالعيان، نسأل الله الهداية والرشاد ونعوذ به من الضلال والإلحاد
6
وإذا تأملت ما ذكرنا حق التأمل، ونظرت إلى الناس بعين الحقيقة والإنصاف، علمت أن كل أحد، إلا الأوحدي منهم، الذي شرح الله صدورهم للإيمان، مُتمسك بما نشأ عليه، ومُتشبث بما تلقف من أبائه، ثم من مُعلمه ومشايخه، ثم من أئمة مذهبه، لا سيما إذا حسن الظن بهم، وكان السلف من أهل الحديث، جامدين على ظواهر الآيات والأخبار