شرح القصيدة البلكفية
الجزء ١ · صفحة ٢٠٧سواء كان من الصفات، كالعلم، والقدرة، والإرادة، وغيرها؛ أو من
الذوات، كذات العقل، والنفس، وكطبائع المهيات والكليات
فالذي من القسم الأول: إذا وقع في الخيال، كمن رأى إنساناً، ثم أغمض بصره، وجد صورته حاضرة في خياله، كأنه ينظر إليها، ولكن إذا فتح العين وأبصر، وجد تفرقة بين الإدراكين، والمُدرك أمر واحد، ولا ترجع التفرقة بين الأمرين في الصورة، إذ الصورة واحدة، كما قلنا، وإنما الإفتراق بزيادة الوضوح والكشف، فإن صورة المرئي صارت بالرؤية أتم إنكشافاً، وهو كشخص يرى في وقت الأسفار قبل طلوع الشمس وإنتشار ضوئها، ثم يرى عند تمام الضوء، فإنه لا يُفارق الحالة الأخرى للأولى، إلا في زيادة الإنكشاف
•
فإذن الرؤية هي استكمال الإدراك الخيالي، وهو غاية الكشف، وسمي ذلك: رؤية، لأنه غاية الكشف، لا لأنه في العين، بل لو خلق الإدراك الكامل في غير هذا العضو، كالجبهة، أو كالصدر، لكان رؤية
أيضاً.
بل يجب أن يعلم ها هنا، أن القوة الخيالية للإنسان، هي في جوهرها أقوى إدراكاً، وأدوم مُدركاً من هذا البصر، الذي في العين، وغيرها من الحواس الظاهرة، لكن النفس مشغولة عنها، بشواغل الطبيعة البدنية ما دامت هذه الحياة
ولأجل ذلك تكون إدراكات هذه الحواس الظاهرة أقوى وأجلى عند الإنسان، فإذا خلعت عن ذاتها هذا البدن الطبيعي، وتلبست بلباس الحشر، واكتست كسوة الآخرة، كانت ترى الصور الجزئية بعين الخيال،
- 207 -