شرح القصيدة البلكفية
الجزء ١ · صفحة ٢١٤وغاية العمل أيضاً، هو: العلم، لأن المقصود من الأعمال، ليس إلا
التخليص والتصقيل، والتنوير والتكميل؛ والعِلم عبارة عن معرفة الله وصفاته الحُسنى، وأفعاله العُظمى، من ملائكته، وكتبه، ورسله، فكمال رتبة الإنسان، الذي يستحق به مُجاورة الرَّحمَن، هو معرفة هذه الأمور، التي يجمعها العلم بالله وباليوم الآخر، وهذا بعينه هو المراد
بالإيمان.
وهذا العلم الذي هو الإيمان، مما يضعف، ويشتد، وينقص، ويكمل، ويكون في مبدأ إكتسابه ضعيفاً ناقصاً، ثم يتدرج بمزاولة الأفكار والأعمال، ويشتد شيئاً فشيئاً، ويُستكمل قليلاً قليلاً، كما يقع للفحم بمُجاورة النار، يتسخن أولاً تسخناً قليلاً، ثم يشتد تسخنه حتى يحمر، ثم يتنور، ثم يضيء ويحرق، ويفعل كما تفعله النار من التسخين والإضاءة والإحراق، فهكذا يشتد نور العلم، وقوة الإيمان، حتى يصير العلم عيناً، والإيمان عياناً، والمعرفة تنقلب مشاهدة؛ ولهذا قيل: المعرفة بذر
المشاهدة
لكن، يجب أن يُعلم: أن العلم إذا صار عيناً، لم يصير عيناً محسوساً، وأن المعرفة إذا إنقلبت مُشاهدة، لم تنقلب مشاهدة بصرية حسية، لأن الحس والمحسوس نوع مُضاد للعقل والمعقول، ليست نسبة أحدهما إلى الآخر، نسبة النقص إلى الكمال، والضعف إلى الشدة، بل لكل منهما في حدود نوعه، مراتب في الكمال والنقص، لا يمكن لشيء من أفراد أحد النوعين المُتضادين، أن ينتهي في مراتب إستكمالاته
وإشتداداته، إلى شيء من أفراد النوع الأخر.
- YIE.