شرح القصيدة البلكفية
الجزء ١ · صفحة ٣٠٣نقل عن ابن الأنباري، أنه قال: كيف يكون السمع أفضل من البصر وبالبصر يحصل كمال الوجوه وحسنها، وبذهابه يذهب؛ وذهاب السمع لا يُؤثر في الإنسان عيباً، والعرب يُسمي العينين كريمتين، ولا يصف بها السمع؛ ومنه الحديث: " من أحب كريمتيه لا يُكتب عصراً "
أقول: ومن وجوه أفضلية البصر على السمع: أن البصر قوة فعلية بناء على ما هو المُختار، وذهب إليه الإشراقيون، من أن الإبصار إنما هو بإنشاء النفس، مثل المُبصرات في صقع ملكوتها الأسفل، والسمع قوة إنفعالية، والقوة الفعلية أفضل من الإنفعالية
فهذه هي الوجوه المذكورة في الجانبين؛ والحق في هذا المقام، القول فيهما بالتفصيل، بعد الإستفسار، بأن يُقال أولاً: هل المراد منهما العقليتان أو الحسيتان؟ وعلى الأخير: هل المراد حالهما بالقياس إلى أنفسهما، أو بالقياس إلى النفس التي تستعملهما؟ وعلى الثاني: بالقياس إلى الحيوان مطلقاً، أو بالقياس إلى الإنسان خاصة؟ وعلى الثاني: من جهة دنياه، أو من جهة عُقباه؟ وعلى الثاني: من جهة العِلم، أو من جهة العمل، وفي هذه النشأة، أو في النشأة الآخرة؟ ثم يُقاس بينهما في واحد واحد من الأقسام.
فيظهر عند ذلك: أن الحكم بالأفضلية على الإطلاق، لواحد منهما
بخصوصه على صاحبه غير سديد، كما لا يخفى على أهل البصيرة.
وثالثها: الشم: وهو قوة مودعة في الزائدتين النابتتين من مقدم الدماغ في الخيشوم، الشبيهتين بحلمتي الثدي، ويفتقر في إدراكه إلى وصول الهواء المنفعل من ذي الرائحة إلى الخيشوم؛ والجمهور على أن: