شرح القصيدة البلكفية
الجزء ١ · صفحة ٣٣١مضى مفصلاً، إلا أن المراد هنا: ذوق العقل لا ذوق الحس؛ و ﴿أهل﴾ (بالرفع): مُبتدأ مُضاف إلى ﴿الشوق﴾: وهو لغة، كما في "القاموس": نزاع النفس وحركة الهوى؛ جمع:: أشواق.
واعلم أن الشوق، إنما يتعلق بشيء أدرك من وجه، ولم يُدرك من آخر، فما لا يُدرك أصلاً، لا شوق إليه، وما أدرك بكماله، لا يُشتاق إليه أيضاً؛ ففي كل مُشتاق جهتان، ونحن نوضح ذلك بمثال.
مثلاً: من غاب عنه معشوقه، بقيَّ في قلبه خياله، فيشتاق إلى إستكمال خياله بالرؤية، فلو إنمحى عن القلب ذكره وخياله ومعرفته، لم يتصور أن يُشتاق إليه، ولو رأه وحصل له، لم يتصور أن يُشتاق إليه في وقت الرؤية، إلا أن يراه من وجه دون وجه، كما يرى وجهه دون شعره، أو يراه في ظلمة، فيُشتاق إلى إستكمال رؤيته، بإشراق الضوء
عليه
•
والوجهان جميعاً يتصوران في حق الله تعالى، بل هما لازمان لكل عارف، فإن ما إتضح للعارف من الأمور الإلهية، وإن كان في غاية الوضوح، فكأنه من وراء ستر رقيق، وكذلك ينضاف إليها شواغل الدنيا، فإنما كمال الوضوح بالمُشاهدة، وتمام إشراق التجلي لا يكون إلا في الآخرة، وذلك يُوجب الشوق؛ ولابد للعارف الولي، أن يتمنى الموت عن هذه النشأة، ليرتفع الحجاب، ويدل على ذلك قوله): قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء الله من دون الناس فتمنوا الموت
إن كنتم صادقين)) (1)
(1) سورة الجمعه: 6