شرح القصيدة البلكفية سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي أبو محمد، الشهير بـ "المحقق"

شرح القصيدة البلكفية

الجزء ١ · صفحة ٣٤٩

لقوله: أني لست في مقابلة نفسي فلا أراه، وإلا فسائر الأقسام صحيحة فبهذا يستبين ضيق حوصلتهم عن التصديق، بما لم يألفوه، ولم يأنس به حواسهم، إنتهى كلامه

أقول: هذه الوجوه هي عمدة شبه القائلين بالرؤية:

وأجيب عن الأول: أن هذه الدعوى، أي: دعوى كون المرئي بهذا العين مُطلقاً، يجب أن يكون في جهة ليس منبأها، على أن المرئيات في هذا العالم لا يكون إلا في جهة، حتى يكون من باب قياس الغائب على الشاهد، بل النظر والبرهان يُؤديان إليه، وهو: أن القوة الباصرة التي في عيوننا، قوة جسمانية، وجودها وقوامها بالمادة الوضعية، وكل ما وجوده وقوامه بشيء، فقوام فعله وإنفعاله بذلك الشيء، إذ الفعل والإنفعال بعد الوجود والقوام وفرعه، إذ الشيء يُوجد أولاً، إما بذاته أو بغيره، ثم يُؤثر في شيء أو يتأثر عنه؛ فكلما كان وجود القوة في نفسها متعلقاً بمادة جسمانية بما لها من الوضع، كان تأثيرها وتأثرها أيضاً بمشاركة المادة ووضعها بالقياس إلى ما تؤثر فيه أو يتأثر عنه؛ فلأجل هذا نحكم بأن البصر لا يرى إلا لما له نسبة وضعية إلى محل الباصرة والسامعة، لا تنفعل ولا تسمع إلا ما وقع منها في جهة أو أكثر، فهذا هو البرهان الذي أشرنا إليه.

وأجيب عن الثاني: بأن هذه المُعارضه بكلا جزئيه مدفوعة؛ أما المُعارضة برؤية الله نفسه، فلا إنتقاض بها ولا مُعارضة بسببها، لأن مرجع رؤيته تعالى لذاته إلى تعقله لذاته؛ ومرجع تعقله وعلمه لذاته هو نفس وجوده، المُفارق عن المادة ولواحقها وغواشيها، المانعة عن كون

- 349 -