شرح القصيدة البلكفية
الجزء ١ · صفحة ٣٥٠الشيء معقولاً، فإن كل وجود صوري مُجرد عن المادة وعوارضها، فهو معقول بالفعل، كما برهن عليه في الحكمة؛ فإن كان وجوده لغيره بأن يكون قائماً به كان معقولاً لذلك الغير؛ وإن لم يكن وجوده لغيره، بل قائماً بذاته، كان معقولاً لذاته، فكان ذلك الوجود بعينه عقلاً ومعقولاً لذاته، وعاقلاً لذاته، فذاته تعالى بذاته عقل، وعاقل، ومعقول، من غير تغاير بين هذه الأمور، لا بالذات ولا بالإعتبار، وهذا معنى كونه رائياً لذاته
وبالجملة، ليست رؤيته تعالى لذاته بقوة جسمانية حسية، ولا أيضاً بصفة زائدة، حتى يلزم المُعارضة أو النقض، بل القوة الجسمانية لا يمكن أن يكون مدركاً لذاتها، ولا لحامل ذاتها، ولا لإدراكها؛ فالبصر لا يمكن أن تبصر ذاتها، ولا آلتها، ولا إدراكها أبصارها؛ وكذا السمع والشم وغيرهما، لأن كل مُدرك لذاته يكون قائماً بذاته، مُجرداً عن محل
ومادة
وبهذا يحصل الفرق بين الإحساس والتعقل، ولو سمي تعقله تعالى لذاته، رؤية أو إبصاراً لذاته، فلا مشاحة في الأسامي بعد ظهور المعاني، وتحقق الفرق بينها، فلا يرد بالاسم نقض على القاعدة العقلية. وأما المُعارضة، أو النقض برؤيته تعالى للعالم، والعالم بما فيه ذو جهة، والله تعالى برئ من الجهة، فهي وإن كانت أقوى شبهة، وأعضل عقدة، في هذا المقام، لكنا قد حللناها وفككناها بعون الله وقوته، وهي مثل ما أوردها بعض أتباع الحكماء على قاعدتهم الحقة المشهورة: من أن أفاعيل القوى الجسمانية وإنفعالاتها، لا تكون إلا بمشاركة الوضع،