شرح القصيدة البلكفية
الجزء ١ · صفحة ٣٥٢فرض أيضاً تأثيره فيما له وضع، فليس ذلك بمشاركة الوضع ولا من جهته، لما علمت أن ما وضع له في وجوده، كالقوى المنطبعة في الأجسام، ولا في فاعليته ومصدريته، كالنفوس الغير المنطبعة الناطقة، ولا من جهة قبول قابل تأثيره بالقياس إليه؛ فإن كون القابل في نفسه ذا وضع وحيز، لا يستلزم أن يكون كذلك بالقياس إليه
وبالجملة، القوة إذا كانت جسمانية أو متعلقة بها، كانت المادة أو
،
الموضوع آلة لفعلها، وإدراكها، وتأثرها، ومتوسط بينها وبين فاعلها أو منفعلها؛ وأما إذا كانت بريئة الذات وجوداً وتأثيراً عن الجسم، فليست المادة ووضعها اللازم آلة لفعلها، ولا إنفعالها، ولا أيضاً متوسط بينها وبين ما يتأثر عنها، أو يُؤثر فيها، بل إذا أثرت في جسم أو في صفة لجسم، كان أثره نفس ذلك الأمر الوضعي، أو الذي له وضع وجهة لا بتوسط الوضع بينه وبين أثره، فظهر أن الجسماني لا وضع له في الروحاني المحض، إدراكاً، وتأثيراً، وتأثراً، بخلاف العكس، فظهر الفرق، وبطلت المعارضة والنقض.
وعن الثالث: أن نفي كونه تعالى مرئياً بهذا العين الجسماني، ليس مما يختص القول به للمعتزلة فقط، بل هو مما قام عليه البرهان، ونص عليه القرآن، وعليه كافة أهل العلم والعرفان، من الحكماء الراسخين، والأولياء الكاملين، والأئمة الراشدين، بل كل من سلك سبيلاً بقوة العلم، ونور العرفان، لا بمجرد التقليد والظن والحسبان، كما سمعته من المقاصد، من إختصاص القول بالرؤية بالأشاعرة، خلافاً لسائر الفرق،
فحينئذ الأمر بالعكس، نعوذ بالله من العصبية، فيما لا محل له.
-352 -