شرح القصيدة البلكفية
الجزء ١ · صفحة ٤١ثم إذا استعملت آلاتها، أعني: الحواس الظاهرة والباطنة، حصل لها
علوم أولية، أي: ضرورية، فإن الضروريات أوائل العلوم، والنظريات ثوانيها، وكيفية حصولها، إنها إذا استعملت تلك الآلات، وأدركت الجزيئات، وانتبهت لما بينها من المُشاركات والمباينات، استعدت لأن تفيض عليها من المبدأ الفياض، صور كلية يخبر من بنسبه بعضها إلى بعض، إيجاباً أو سلباً، إما بمجرد توجه العقل إليها، وإما بالحدس أو التجربة، أو غير ذلك، مما يتوقف عليه العلوم الضرورية، وحينئذ يحصل له التصورات والتصديقات البديهية، التي هي مبادئ العلوم الكسبية، واستعدت لاكتسابها استعداداً الحمل من الهيولي، وحينئذ تسمى عقلاً بالملكة، لما حصل لها بسبب تلك الأوليات، ملكة الإنتقال إلى النظريات، أي: صفة كاملة راسخة، تتمكن بها من الانتقال إلى
النظريات
وفي هذه المرتبة للنفس قوة مخلوطة بفعل، لأن البديهيات حاصلة لها بالفعل، ثم إذا رتب العلوم الأولية، وأدركت النظريات مشاهدة إياها، سميت بالفعل المستفاد لاستفاءتها، أي: الاستفادة النفس في هذه المرتبة، أو لاستفادة هذه المرتبة - كما مر - من العقل الفعال، المفيض للحوادث والممكنات في عالمنا هذا، وإذا صارت النظريات مخزونة عندها، وحصلت لها بمشاهدتها مرة بعد أخرى صفة راسخة فيها، يتمكن بها من استحضار النظريات على سبيل المُشاهدة متى شاءت، من غير تجشم كسب جديد، فهي العقل بالفعل، وإنما سميت بذلك، لأن النظريات، وإن كانت حينئذ بالقوة، إلا أنها قريبة من الفعل جداً، فكأنها حاصلة لها
- 41 -