شرح القصيدة الحلوانية في ذكر ملوك حمير
الجزء ١ · صفحة ٤٢٨عليه، ثم اجتمعوا، فصارت إليه العظماء من أهل الأمصار يستعطفونه، فابدتموا للخطاب (1) كأبي الأصفهاني، فاستأذنوا عليه، فأذن لهم، فلما وصلوا إليه، قالوا: أيها الملك، بأي السلام نسلم عليك، بسلام من يملك الأقاليم كلها، أم بسلام من يملك الإقليم الواحد؟ فقال الضحاك: بل بسلام من يملك الأقاليم كلها، وقد علمتم أيها الوفد، أنه لم يمتنع علي إقليم، فكيف هذا؟
قال: فقال الأصفهاني: إذا كنت ملك الأرض كلها، وكانت يداك تنالها أجمع، فما لنا قد أخصصتنا بتحاملك، ومؤونتك، وإثباتك من بين أهل
الأرض. قال: ثم عدد لهم أشياء من جوره، كان يخفيها عنه؛ قال: ثم جرد له الصدق، والقول في ذلك، فإنجزل لحجته وأمسك، ثم إنقطع عن الكلام، ثم أمر برفع الإساءة عنهم، ثم تألف القوم وواعدهم الإحسان، وأفرغ عليهم من الأموال، وأمرهم بالإنصراف
•
فيُقال: أن أمه بعد ما إنصرف القوم عنه، دخلت عليه، وكانت عاتية شريرة مُسلطة، ثم قالت له: أيها الملك، لقد كنت بالقرب منك، وسمعت مقالة القوم، وتقرعهم إياك، وجراءتهم عليك، فهلا دمرت عليهم، وأضعفت قوتهم، وقطعت أيديهم.
قال: وأكثرت عليه الكلام، فقال لها مع عتوه وشره: يا هذه، إنك لم تذكري شيئاً إلا وقد سبقتك إليه، وقد هممت بشيء من ذلك، ولكن القوم بدأوني بالحق، وقرعوني به، وأفلجوا حجتي، فلما هممت بالسطوة عليهم، تخيل لي الحق، ومثل بيني وبينهم بمنزلة الجبل، فلم يمكني إلا ما قد صنعت، ثم سكن أمه وردها، ثم أوفى القوم بما عاهدهم عليه،
(1) هكذا في الأصل، وهناك إضطراب، ولعله: فابتدأوا للخطاب لأبي الأصفهاني؛ والله أعلم.
ETA.