الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ١٠٨كان مستقلا برأيه مجتهدا في أحكامه قد يفتي بالقول المرجوح، ويعمل برأي الأقلية، ويبدو أنه في فتاواه وأحكامه لا يقتصر على بحث الأراء والأدلة التي تستند عليها وإنما يضيف إلى ذلك ظروف البيئة، ودرسته الشخصية للموضوع، ومعرفته لما يحيط بالحادثة.
لما مرض إستاذه الأكبر أبو عبد الله محمد بن بكر مرض الوفاة قال لجماعة ممن حضر: اشهدوا أن البستان الفلاني الذي على العيون هو لأبي يوسف وهو اكبر أبناء أبي عبد الله فسمعت امرأته بذلك فظنت إن ذلك بسبب الوجع أو السهو فقالت تنبهه ما هذا يا شيخ فكرر الشيخ الأشهاد على نفسه بما قال وأكد للقوم قوله الأول، ولم يرجع عنه وأجاب امرأته قائلا: إني اعتقدت له أكثر من ذلك، وعلمي ورأيي لا أرجع عنهما إلى علمك ورأيك، وكان ولده أبو العباس أحمد حينئذ عند أبي الربيع سليمان بن يخلف في نظام الدراسة فبلغه وفاة أبيه وقد بقيت بيده بقية من نفقه فامسك عنها لأنه رأى أن ذلك قد أصبح مالا للورثة فقال له أبو الربيع أمسك ما بيدك وأنفق منه ولا حرج عليك، فإن إياك لا تلزمه العدالة بينكما ثم ذهب إلى موطن الشيخ أبي عبد الله وأنفذ وصيته كما أوصى بها مع أن أكثر الفقهاء يوجبون العدالة بين الأولاد ولا يجيزون إنفاذ العطية إذا وقعت في مرض الموت.
ولا شك أن في المسألتين خلافا بين علماء الإسلام ولكن الراجح المعمول به عند الاباضية هو وجوب العدالة بين الأولاد وعدم إنفاذ العطية الواقعة في مرض الموت.
وفتوى أبي الربيع بغير المشهور من أقوال المذهب في ذلك يدل دلالة واضحة على استقلال رأيه واجتهاده من جهة ثم على استناده. على معرفة أحوال الناس الذين تقع لهم المشاكل والأحداث ودراسته لظروف تلك الأحداث من جهة أخرى.