الإباضية في موكب التاريخ - الحلقة الثالثة: الإباضية في تونس علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ١٠٩

ويبدو لي أن الذي يسر لأبى الربيع أن يفتى هذه الفتوى إنما هو معرفته الكاملة لأسرة إستاذه أبي عبد الله وللمجهود الجبار المتواصل الذي بذله أبو يوسف يعقوب في تكوين هذه الأسرة وتهيئة ظروف الحياة الكريمة لها حتى كأنه شريك أو أخ لأبي عبد الله وهذا ما لاحظه أبو عبد الله فهو يعلم أن ما يعود عليه من أملاك إنما كان لكفاح أبي يوسف فرأى أن يعوضه عن ذلك المجهود بهذه العطية.

وعلى هذه المعرفة الشخصية والدراسة النفسية استند أبو الرربيع في إصدار هذه الفتوى. ولقد تحدث أبو العباس الدرجيني عن هذا الموضوع فقال:» قلت أما فعل أبي عبد الله بن بكر رضي الله عنه فلا ينفذ لوجوه منها: أولا إنه عطية في المرض الذي توفى فيه فلا يجوز إلا بإجازة الورثة. ثانيا إنه لم يذكر التسليم والحوز وذلك شرط عند جميع أهل العلم إلا الشاذ، ثالثا إنه لم يعدل فيما دل عليه اللفظ والعدل بين البنين واجب على الأب في قول جماعة من أهل العلم واليه مال أكثر أصحابنا فيما علمت لكن الشيخ أبا الربيع رجح قول من قال لا تجب العدالة على الأب. وأقول والله أعلم عن ذلك إنما جاز لإجازتهم إياه إبرارا بالشيخ رحمه الله. «انتهى قول أبي العباس ويرد على تعليله الأخير بأن الورثة ربما أجازوا ذلك ما ورد في أول القصة بأن امرأته نبهته حاسبة أن ما قاله إنما كان من الوجع فأصر أبو عبد الله على موقفه وأعلن أنه لن يرجع عن رأيه وعلمه إلى رأيها وعليها مع العلم إنها وراثة.

ومهما يكن فإن ترجيحه للقول المرجوح، وفتواه بغير المعمول به دليل على ملكة الاجتهاد والاستقلال في الرأي، وملاحظة جميع الظروف المحيطة بالقضية عند تطبيق الأحكام، وشبيه بهذه الحادثة ما جاء في القصة الآتية:

١٠٩ / ٣٥٥