الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ١١٠كان بين مجموع الطلبة الذين يدرسون عند أبي الربيع تلميذان ذكيان تربط بينهما عرى الزمالة والصداقة والمحبة وكانا يقضيان وقتهما في مذاكرة ودراسة، حتى إذا أحسا بالتعب والملل خففا عن نفسيهما بالنكتة الضاحكة والدعابة البريئة والهزل الخفيف. وضع الزميلان كتب الدراسة إلى جانبهما وحلق بهما الخيال في مسارح أمال الشباب فتحدثا عن العزوبة والزواج والتفت أحدهما إلى الآخر متصنعا وقار الجد وقال له: إني أرغب إليك يا صديقي في أختك فلانه بنت الحسب والنسب وجئتك راغبا في زواجها فهل توافق على ذلك وتصنع الزميل الثاني وقار ولي الأمر الذي يفكر في مستقبل أخته وينظر إلى مصلحتها ثم رفع رأسه وقال قد قبلت فبارك الله لكما.
وضحكا الفتيان ورجعا إلى كتبها للمذاكرة ولكن شيئا بدأ يهجس في نفس الفتى الخاطب. إلا يكون قد ارتكب بدعابته هذه حماقة، وأصبح الزواج منعقدا، وأصبحت فلانه هذه امرأته ويكون مسئولا أمام الله والناس عن زوجة لا تدري عنه شيئا، وعندما افترقا بقي الشاب يردد الفكرة على ذهنه فلا تزداد إلا رسوخا وثباتا، وفزع بمشكلته إلى زملائه الذين يكبرونه سنا وعلما يلتمس عندهم الحل، فكان كلما عرضها على واحد منهم إجابة بأن ثلاثة جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والعتاق فالنكاح قد انعقد بينه وبين الفتاة، وأصبحت زوجة له بحكم الشرع، ويضيفون إلى ذلك ما يشاءون من نكت ودعابات، واهتم الفتى واحتار وفي درس من الدروس لاحظ الشيخ أبو الربيع سهوم تلميذه النجيب ورود فكره فعلم إن شيئا أصابه فلم يخجله بالسؤال وإنما سأل عنه بعض زملائه فأخبروه بالقصة فقال الشيخ قولوا له: فليقم وليشتعل بالقراءة فإنه لم ينعقد نكاح، ولا يلزمه شيء ولو إجازته.