الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ١١٥قال أبو عثمان سعيد بن سليمان:» دخلت حلقة درجين وأنا صبي قبل أن اكمل قراءة القرآن فكان الشيخ ميمون سبب تمرني على قراءة الكتب، لأنه كان يكبرني إجلالا لوالدي، ويخصني بالفوائد، وذلك أنه متى خرج إلى المسجد أخرج معه كتابا. فإذا جاء المسجد دعاني وقال لي اقرأ، فآخذ الكتاب واقرأ فمتى توقفت في بعض ما يشكل على قال لي بين ولا ترهب فإذا قرأت حرفا ما أصبت أو صحفت استحسن ذلك، وكان يقول لي بعد ما كف بصره اقرأ على سورة كذا وكذا، وكان لا يخليني من فائدة. «
كان شديداً في الأمر والنهي حريصا على إقامة دين الله فلما كبر وكف بصره خفف من حدته، ولأن في أمره ونهيه. وكان العلامة يخلف بن يخلف يتوسم فيه الخير والصلاح فكان يخصه بالهدايا الطريفة وكان يحض الناس على إكرامه والبر به.
ويقول لهم:» إكرموا ميمون بن أحمد فقد اجتمعت فيه الخصال الثلاثة: عزيز ذل، وغني افتقر، وعالم بين جهال. «
لقد كان هذا العالم الذي حكمت عليه ظروف الحياة أن يعيش في درجين حين أدبرت أيامها، وذهبت نضارتها، وأتى الظلم والجبروت على ما كان فيها من علم وخلق مثلا يحتذى في وسائل التربية والتعليم. فلقد جرى على طريقة تعتبر من الطرق الحديثة في التربية والتعليم وذلك إنه يعمل على أن يعتمد التلميذ على نفسه بعد أن يستثير المدرس ذهنه فيستنتج ويستخرج القواعد ويحاول أن يصل إلى أخطائه بنفسه فيصححها دون أن يلقنه المدرس، وهو في طريقة تدريسه وتربيته يحترم شخصية الطالب ويبذر فيها بذور الشجاعة والثقة بالنفس. وقد كان حريصا على أن يكون المؤمن حسن السيرة لين الخلق عفيف اليد واللسان فكان يقول:» من قال لمسلم يا تقيل يبرأ منه «
إنه لا يريد أن ينسب إلى المسلم أي وصف تكرهه النفس وتمله يسببه الأصحاب.
أبو حفص عمرو بن جميع