الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ١٣٦دأب شيخنا الجزيرة - شيخ العزابة وشيخ الحكم - على العمل في بقية المدة، فكان أبو النجاة يدعو الناس إلى الاعتصام بالله، وتهوين أمر المشركين، والاستخفاف بقواتهم واستعداداتهم، وكان أبو زكرياء يعمل على تسليح الناس وتدريبهم على القتال وأعدادهم من الناحية العسكرية، وتحقيق ما توقعوه فقد جاء الأسطول الأسباني، وهاجم الجزيرة، بأعظم أسطول عرفته البحار في ذلك الحين فتلقاه أهل جربة الأبطال، ولم تطل المعركة فقد نصر الله المؤمنين وخذل المعتدين ورد كيدهم في نحورهم.
لقد كتب كثير من المؤمنين عن هذه الموقعة، وذهبوا في تعليل انتصار جربة، على الأسطول الأسباني، مذاهب شتى، فكان المؤرخون الغربيون ومن أخذ منهم يعللونها بتعاليل مادية صرفة لا يقبلها العقل، كالجهل بطبيعة الأرض، وشدة الحر، وعطش الجند الأسباني، وما إلى ذلك، وكان بعض المؤرخين المسلمين يحسبونها في كرامات الأولياء والصالحين، فيجعلها بعضهم من كرامات أبي النجاة أو استجابة للدعوات الحارة من أهل الجبل.
أما القلة من المؤرخين الذين درسوها على ما عرفوه من تاريخ الإسلام فلم يجدوا فيها شيئا غريبا يستحق التفكير، وليست هي أول حرب تقع بين الإيمان والفكر فينتصر الإيمان مع قلة عدوه وعدته، وينهزم الكفر مع كثرة ما اعد.
إن الأسباب التي انتصر بها المسلمون في وقعة بدر، والأسباب التي انتصروا فيها في وقعة موتة، وفي اليمامة والقادسية واليرموك. وغيرها من الوقائع هي نفس الأسباب التي انتصر بها المسلمون في هذه الوقعة، وفي أشباهها من الوقائع، لقد تجرد المسلمون من المادية، ولم يضعوا بين أعينهم غير حقيقتين اثنتين: النصر والشهادة، وانطلقوا إلى الجهاد في سبيل الله بتلك الروح التي كان يحارب بها المسلمون في الصدر الأول ويوالون الفتوح متحردين لنشر دين الله وإعلاء كلمته.