الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ١٣٨ويبدو من احداث التاريخ ان مجلس العزابة في هذا الحين بدأ ينحل ويتخلى عن اختصاصاته ولذلك فلم يعد يختار شيوخا للجزيرة ومنذ بدات أسرة بن جلود الحكم كان توليهم عن طريق الحكومة، لا عن طريق العزابة، وكان أكثرهم مناهضين للعلماء معارضين لهم.
يعتبر أبو زكرياء يحى السمومنى، واسطة العقد في أسرة بنى سمومن، كما أن أعماله المجيدة، ترفعه إلى مصاف الأبطال، في الأمة الإسلامية، وتضعه في صف مع كثير من الأبطال الذين عرفوا كيف يدافعون، عن عقائدهم وأوطانهم، وأراضيهم، ويدفعون عدوان المعتدين، وبغى المستعمرين، وانه لموقف مشرف ذلك الموقف الذي سجله التاريخ لأبي زكرياء حين إقامته الأمة في جزيرة جربة مقام امام الدفاع، فوقف وقفة الأسد الهصور دون العرين، ورد الأساطيل الأسبانية الضخمة التي احتلت جميع الشواطئ الإسلامية في بلاد المغرب الكبير فلما بلغت إلى جربة، الجزيرة الصغيرة الضعيفة، ردت تلك الأساطيل على أعقابها تجر أذيال الخيبة والخزي والفضيحة.
عقد العزابة اجتماعا في بيت أبي النجاة يونس حين سمعوا بعزم الأسبان على غزو الجزيرة ودعوا إلى الاجتماع شيخ الجزيرة الذي اختاروه من قبل ليتولى شئون الناس فكلفوه بمهمات الدفاع يعنى أنهم خولوه سلطات امام الدفاع. فباشر تلك السلطات بمهمة المؤمن القوى الحريص على القيام بواجبه فكان بالتشاور مع مجلس العزابة، يعمل على الاستعداد للدفاع، عن هذا الثغر الهام. ولما اتخذ جميع الاحتياطات المادية والمعنوية بقي على يقظة وانتباه ينتظر وصول العدو المغير.
وصل الأسبان باسطولهم الضخم، وقواتهم الغازية، وبعثوا رسولا إلى الشيخ يطلبون إليه تسليم الجزيرة، فاغلط الشيخ للوسول في القول، ورده أقبح رد. ولما علم الأسبان موقف الجزيرة، صمموا على الحرب، وعلى احتلالها بالقوة، وبدأوا الاستعداد للهجوم، فرتبوا جيشهم القوى في صفوف متراصة، كلما انهزم منها صف تقدم الصف الذي يليه.