الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ١٥١سافر أبو عبدالله إلى مصر، برسم الدراسة في الأزهر، فبقى هناك 28 سنة دارسا في الأول ومدرسا بعد ذلك، وتخرج على يده عدد من فطاحل العلماء في أرض الكنانة وأشتهر بين علماء الأزهر بلقب البدر، فإذا أطلقت كلمة البدر بين علماء الأزهر فالمعنى بها أبو عبدالله بن أبى سته، وكان إلى دراسته وتدريسه بالأزهر يقوم بنشاط آخر كبير خارج ميدان الأزهر. فقد كان الرجل من أشد الناس حبا للعمل ومواصلة للكفاح، ولذلك فقد كان لا ينفك عن المحاضرات والندوات والدروس الخاصة، وكان جل إهتمامه بالدار العلمية التي تأوى عددا غير قليل من طلاب العلم الذين يقبلون من مختلف بلاد الأباضية على القاهرة للدراسة وكانت تلك الدار تحتوى على مكتبة من انفس المكتبات، فكان يتولى الأشراف عليها وارشاد الطلاب إلى الإستفادة من كنوزها، وعندما رجع إلى وطنه جربة كان بمثابة دائرة معارف حية متنقلة، فكان لا يستقر في مكان، وإنما كان ينتقل من مدرسة إلى مدرسة ومن مسجد إلى مسجد ومن حي إلى حي يلقى دروس العلم على طلاب العلم. ودروس الوعظ والإرشاد في المجامع العامة ويدعو الناس إلى الإستمساك بدين الله والحرص على المحافظة عليه، وكان لا ينفك عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. ولقد يخيل للقارئ الكريم، وهو يقرأ هذه السطور، إن القيام بكل هذا كثير على رجل واحد، والواقع إن هؤلاء المكافحين الذين يبذلون كل ما عندهم - من علم وقو ووقت لله والأمة - قليلون، وهم أفراد في كل عصر وفي كل أمة.