الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ١٥٢على أن أبا عبدالله كان إلى جانب ذلك يخصص وقتا للدراية العليا فلقد ورث عن شيخه أبي محمد السدويكشى مجلس مسجد بن لاكين فكان يلقى فيه دروسا بين صلاتي الظهر والعصر لجميع الطبقات يحضره كبار العماء في الجزيرة فكان بعد صلاة الظهر يستفتح للتدريس فيجلس أمامه كبار العلماء فيلقى عليهم درسا يستمر إلى صلاة العصر، ويناقشه اولئك العلماء ويناقشهم في المشاكل التي تعرض لهم أثناء الدرس، وبعد صلاة العصر يعقد مجلس للحكم فيقبل عليه الناس بمشاكلهم ومنازعاتهم وقضاياهم فيحكم بينهم بكتاب الله، ويرضى الناس بحكمه وينصرفون مقتنعين بحكمه لا ينظرون إلى حاكم أو قاض أو شيخ من موظفي الحكومة الذين يعتبرهم الناس آلات جعلتهم الدولة للتحكم في الأمة، فاتاحت لهم أن يعيشوا أعالة على الأمة. يقبضون المرتبات من الدولة، ويبتزون الأموال من الناس بمختلف الطرق.
يقول العلامة الشيخ سعيد التعاريتى في رسالته القيمة: " وبع الصلاة - أي صلاة العصر - يجلس للحكم بين الناس وله مكان يحكم فيه، معلم إلى اليوم، به مقصورة، يجلس الشيخ ببابها ويجلس الخصوم داخلها ولا يخرج منها المحكوم عليه حتى يذعن للحق، ويستعد للاداء. ورأيت دفترا مقيدا به جميع أحكامه الصادرة منه هناك، وهي كثيرة جدا وكلها فوائد علمية وأحكام شرعية، ونوازل فقيهة، رحمه الله ما اعلمه وادقه."
إن شهادة الشيخ التعاريتى وحدها كافية في الدلالة على ما للرجل من منزله في العم والعمل ولكننا لا بد أن نشير إلى بعض الجوانب من هذه الشخصية، الفذة الفريدة في ذلك العصر.