الإباضية في موكب التاريخ - الحلقة الثالثة: الإباضية في تونس علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ١٧٦

أما أهل الجزيرة فقد أثارت فيهم هذه القضية رد فعل شديد وبعد ان كانوا امة مسالمة حريصة على أن تتبع دين الله وحكمة في نفسها وفي غيرها وان تحافظ على الأمن والسلام في ربوعها، وان لا تشترك في الدماء التي تراق، والأموال التي تختلس، يديها بما حرم الله. راجعت نفسها على ضوء الأحداث التي وقعت لها وذكرت قول الشاعر الجاهلي:

ومن لا يذد عن حوضه سلاحه يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم فخيل إليها أن في هذا المنطق الجاهلي بعض الحق، وقرر المتحمسون من شبابها أن يثوروا، وان يرتكبوا ما يرتكبه غيرهم، وان يعتدوا كما يعتدى الآخرون، انه لا يكفى لعزتهم أن يردوا الظلم عنهم. وإنما يجب أن يقوموا بالظلم في بعض الأحيان (1) لقد كان العلماء الإعلام يغلون أيدي العامة عن ارتكاب الجريمة واتيان المنكر فقتل المعز اولئك العلماء وصمتت تلك الألسنة الدائبة على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وأصبحت الدعوة إلى الانتقام وإلى الخذ بالثأر وإلى الإنطلاق من قيود الحرام والشبهة. دعوة يميل إلها الرأى العام فجد القوم في إعداد عدة الحرب، وبنوا اساطيل في البحر، وربوا شبابهم على فنون القتال، وقبل ان تتم سبع سنوات من احتلال المعز للجزيرة كان أهلها يثورون على عامل الدلوة الصهناجية. ويرمون به وراء البحر في وجه المعز ويستقبلون بحكم جزيرتهم في مظهر قوى عنيف هذه المرة لا في رفق وهدوء وسلام كما كانوا يفعلون من قبل، ولم يكتفوا بهذا بل سرحوا أساطيلهم للقرصنة، وسمحوا لشبابهم أن يرتكب ما يرتكبه غيره من التسلط على الأساطيل الضعيفة وغنيمة ما بها من أموال، فضيقوا الخناق على الدولة الصنهاجية، وحبسوا التجارة عن المهدية وهي عاصمة الصنهاجيين.

١٧٦ / ٣٥٥