الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ١٧٨ووجد علماء الجزيرة أن هذه الشروط هي ما يجب أن تكون عليه الأمة المسلمة، فما يجوز العدوان على الأخوة، فحملوا قادة الأساطيل على الموافقة، وتم الصلح على ان تبقى الجزيرة مستقلة في شئونها الداخلية لا تتعرض لها الدولة الصنهاجية في شيء، وان تكف أساطيل الجزيرة عن القرصنة، وأن تفتح مجال التجارة مع المهدية، ورجع الأسطول الصنهاجي يحمل شروط الصلح، وفي كل من الطرفين بها وحافظا عليها، وبقيت جربة على نظامها الخاص الذي عرفته من قبل والذي سارت عليه إلى سنة 529.
لقد نتجت عن هذا الصلح نتائج هامة أثرت على تاريخ الجزيرة من بعد فمنذ وقع الصلح، وحرم العلماء ما يأتي به أساطيل القرصنة، أصبحت تلك الأساطيل غير ذات جدوى. وأصبح ألولئك الشباب الذين كانوا يعيشون على الكفاح في البحر، يتركون البحر والكفاح فيه، ويعرضون عنه، حتى صار غير ذى غناء لهم وبيعت تلك الأساطيل القوية المعدة للحرب ولم تبق إلا سفن الصيد الصغيرة، ونشأ الجيل الجديد لا يهتم بالسفن وقيادتها، ولا يعد نفسه للحرب عليها، ولا يشتاق إلى معانقة الأمواج، ومصارعة الأثياج.
ورجع أهالى جربة إلى حياتهم الوادعة التي كانوا يعيشونها منذ الفتح الإسلامي إلى منتصف القرن الخامس: نظام هادئ عادل مستقر يتولى فيه أمورهم شيخ من شيوخهم بناء على ما يقرره العلماء الإعلام في مجالسهم بالمساجد، واطمأنوا إلى هذه الحياة الهادئة التي اعتادتها الجزيرة الصغيرة الرابصة في البحر، فقد كانت حياة هنيئة سعيدة في ظل الإسلام. إلا ان اتاريخ كان يتمخض عن أحداث هي أعنف مما سبق في الجزيرة من أحداث.