الإباضية في موكب التاريخ - الحلقة الثالثة: الإباضية في تونس علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ١٩

ولو أردنا أن نعتبر كل واحد من هذين الاتجاهين، مبدأ لحزب، وبحثنا عن أحد كبار التابعين لنجعله على راس الحزب لاستطعنا أن نجعل على رأس القائمة الأولى أحد الإمامين الحسن أو الزهري ولجعلنا على رأس القائمة الثانية أحد السعيدين ابن المسبب أو ابن جبير. وأنا حين أشير إلى هذين الاتجاهين، اتجاه مسالمة الدولة الظالمة الذي يمثله الحسن، أو اتجاه مقاومتها والثورة عليها الذي يمثله ابن جبير. لا أدخل في حسابي أولئك المنزلفين من القدماء والمحدثين، الذين بهرهم البريق، فاندفعوا أو يندفعون في ركاب السلطان، وقد جعلوا علمهم ودينهم وخلقهم ثمنا لما يحصلون عليه من متعة المال أو الشهرة أو اتجاه أو المنصب، وسخروا ذكاءهم وكفاءتهم وبراعتهم، لخدمة المنحرفين عن سبيل الله، فإن هؤلاء، وإن بلغوا في العلم مبالغ سامقه إلا إنهم لا حساب لهم في التفكير الصحيح. ذلك إنهم مالوا إلى الدنيا من أول يوم واتخذوا مناصرة الظالمين مبدأ ثم أصبحوا يبحثون عن البراهين والحجج ليؤيدوا ما ذهبوا إليه.

إن هذا الاختلاف في الرأي، بين علماء الإسلام، مراعاة لمصلحة الأمة، وإشفاقا عليها، لا يرتفع إلى أن يكون خلافا مذهبيا بين الطوائف الإسلامية، وإن كان أصحاب كل مذهب قد يميلون إلى أحد الاتجاهين أكثرهما يميلون إلى الاتجاه الآخر.

١٩ / ٣٥٥