الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ١٨١ويحق للمؤرخ الذي ينظر إلى جربة من الزاوية الإسلامية غير مهتم بمظاهر السلطة والنفوذ أن يقول: إن الفترة التي عاشتها جربة مستقلة عن تبعية غيرها من الدول كانت عهودا مشرقة بالإيمان والعمل الصالح والتمسك بهدى محمد عليه الصلاة والسلام، وذلك باستثناء السبعين سنة التي اشتركت فيها أساطيل الجزيرة في الأعمال البحرية. وأنا حين أطلق هذا الحكم العام على سبعين سنة من تاريخ الجزيرة أجد نفسي ملزما بأن أوضح للقارئ الكريم إن هذا الحكم غير دقيق فإن السبعين سنة لم تمض كلها في الأعمال البحرية كما إن الناس الذين يقومون بها ليسوا أهل الجزيرة كلها وإنما هم أفراد منها وإلا فإن الغالب من السكان لا سيما المتدينين منهم كانوا غير راضين عن تلك الأعمال ويدل على ذلك أنه ما تكونت طبقة من العماء المنظور إليهم حتى استطاعوا أن يوقفوا تلك الأعمال وان يطهروا أرض الجزيرة وأيدى أبنائها من آثار الظلم والعدوان، وإن يعودوا بالأمة إلى سلوك الطريق القويم. عمل خالص لله ومحاسبة للنفس والتزام للحق. مستجيبين لدعوة الله في كتابه الكريم. " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون".
هذا العهد الأول من تاريخ جربة في الإسلام اما العهد الثاني فيبتدئ من سنة 529 حين هجم الإفرنج على الجزيرة ويمتد إلى سنة 960 حين دخلت جربة تحت الخلافة العثمانية، وسوف نعرض بالحديث في الفصول الآتية عن العهد الثاني من تاريخ جربة لنجلو من ذلك صورا من كفاح الأمة المسلمة نضعها بين يدى القارئ الكريم لعله يجد في ذلك عبرة وموعظة.
عهد الجهاد في سبيل الله