الإباضية في موكب التاريخ - الحلقة الثالثة: الإباضية في تونس علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ١٨٣

جعل النورماند من جزيرة جربة مركزا لتموين أساطيلهم، وامدادها بما تحتاج إليه في عدوانها من عتاد وسلاح، كما اتخذوها ملجأ لهم من العواصف البحرية. وانتظر أهل جربة أن يخف احد لنجدتهم ولكن لم يستبن لهم في الأفق شيء، فقد كانت الأساطيل الإفرنجية تسيطر على البحر الأبيض المتوسط، وكانت تهاجم السواحل الإسلامية كل يوم، وكان حسن الصنهاجي صاحب المهدية مشغولا بالدفاع عن نفسه وعن مركز دولته، ولما طال بقاء النورماند في الجزيرة وأيقن أهلها انه لا مدد يأتيهم من الخارج، وإن بلادهم أصبحت مركزا للعدوان، منها تنطلق أساطيل القرصنة، فكر أهالي جربة في الثورة ونظموا أمرهم ثم تداعوا إلى الثورة سنة 548 فانتصروا على الحامية التي تركها الإفرنج هناك وقتلوا منهم عددا عظيما وأخرجوا باقيهم من الجزيرة.

وعندما ترامت فلول المنهزمين إلى صقلية، وبلغت تفاصيل الأخبار إلى ملكهم غضب غضبا شديدا، وجهز أعظم أسطول عرفته القرصنة البحرية لذلك الحين، ثم وجهه إلى جربة، وتلقى اهالى الجزيرة ذلك الأسطول الضخم بنية مستميتة في الدفاع، وعزم مصمم على النضال، وقعت معركة من تلك المعارك الهائلة التي تتناثر فيها الإشلاء البشرية، دون حساب أو تقدير، وتغلبت القوة والكثيرة، وقتل أهل الجزيرة حتى لم يكد يبقى فيهم من يقوى على حمل السلاح، وأخذ كثير من أهلها أسرى فبيعوا في أسواق إيطاليا وصقلية عبيدا، وخفتت في الجزيرة تلك الأصوات التي كانت تطن في أجواف الليل بالدعاء وتلاوة القرآن، وتملأ المساجد في النهر بدروس العلم ودروس الوعظ والإرشاد وبدت الجزيرة كانها في غفوة طويلة لا تبدو عليها حركة أو حياة.

١٨٣ / ٣٥٥