الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ١٨٤بقى الإفرنج في الجزيرة إلى سنة 555 حين قدم عبد المؤمن بن على فساعد الجزيرة على طرد أولئك المستعمرين الدخلاء كما طردهم من غيرها من الثغور الإسلامية، وأدخل الجزيرة تحت حكمة. وما خرج الإفرنج من الجزيرة حتى بدأت تعاودها الحياة وتدب في نواحيها الحركة وأخذ الناس يباشرون أعمالهم العادية، وكان أولئك الذين فروا يعودون إليها، وبدأت المنازل تعمر من جديد، وانبعثت الحركة في الأسواق.
بقيت جربة تابعة لدولة الموحدين إلى سنة 725 حين استقل أبو زكرياء الأول الحفصى بالحكم في تونس فانتقلت جربة إلى نظرة، وصارت تابعة للدولة الحفصية يحكمونها بواسطة الولاة.
والحقيقة أن تبعية الجزيرة للموحدين في الأول أو للحفصيين في الآخر إنما هي تبعية اسمية وكل ما يربط بين التابع والمتبوع إنما هي مبالغ من المال يأخذها عامل الدولة في جربة برسم الضرائب ويسلمها للدولة المركزية في تونس، ورغم أن أولئك الولاة أو العمال يعينون من رئاسة الدولة في تونس ورغم ان جربة رضيت بهذه التبعية للحكم في تونس كان لا يعنيهم من الجزيرة إلا مبالغ المال تدفع لهم من حين إلى حين، وكثيرا ما كان الولاة يستضعفون الحكومة المركزية فيستبدون بالأمر، ويختصون بالحكم ويحتفظون بالأموال لأنفسهم. اما الدفاع عن الجزيرة وحمايتها من عدوان القرصنة الإفرنجية فذلك ما لم تهتم به تلك الدول المتعاقبة على حكم البلاد، اللهم الا مرات قلائل سوف يجد القارئ الكريم أحصاءها في بعض الفصول الآتية. وبقيت جربة من سنة الأخماس 555 التي خرج فيها النصاري من جربة على يد عبد المؤمن بن على ومساعدته للسكان إلى سنة 688 حيث احتلها الإفرنج من جديد إحتلالا كاملا واستقروا فيها لمدة طويلة إمتدت إلى نصف قرن.