الإباضية في موكب التاريخ - الحلقة الثالثة: الإباضية في تونس علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ١٩٣

بقد تكونت أساطيل ضخمة، تجهزها دول كبرى، وتباركها كنائس تنتسب إلى المسيحية السمحة، وليس الغرض من تلك الأساطيل حماية الممالك ولا الدفاع عنها، ولا حتى اثبات النفوذ واقرار الحكم، وإنما الغرض منها أولا، السرقة والغضب واختطاف الناس، وبيعهم في الأسواق عبيدا. ثم بعد ذلك، الانتقام أو التشفى أو تبريد حرارة الحقد الذي تشبعت به بعض النفوس في جنوب أوربا لا سيما أسبانيا. فهى تحتل الثغور، وتمتلك المواني، لتجعل منها مراكز إعتداء، تهاجم منها البلاد والسفن البحرية، حتى السفن التجارية وقوارب الصيد الصغيرة، وكم ينتفح قادة تلك الأساطيل كبرا واعجابا بالنفس عندما يتغلبون على ما يقع بين أيديهم من سفن تجارية أو حربية فيأخذون ما فيها من أموال وبضائع، ويسبون من بها من الناس فيتخذونهم عبيدا، يجذفون لهم في سفنهم تحت السياط والعذاب، أو يبيعونهم في الأسواق ليقبضوا ثمنهم ذهبا وفضة، ونشطت القرصنة الصليبية في القرون الوسطى، تباركها بعض الكنائس المتعصبة، وتساعدها الدول الصليبية الحاقدة حتى كادت تلك القرصنة أن تتحكم في البحر الأبيض المتوسط، وحتى أصبحت التجارة البحرية تحت رحمة تلك الأساطيل التي لا تنفك تمخر عباب البحر باستمرار.

استطاعت القرصنة في أوائل القرن العاشر أن تتحكم في البرح الأبيض المتوسط تحكما كاملا، فقد كانت الأساطيل الأسبانية تنطلق من شواطئ اوربا مجهزة بكل وسائل القتال، لتقتنص ما تجده في لبحر من سفن إسلامية، أو لتهاجم ثغور المغرب الإسلامي، لتختلس منها ما يسهل اختلاسه، أو تقيم فيها مراكز للعدوان، وتأيدت هذه الحركة بفرسان القديس يوحنا، الذين تؤيدهم الكنيسة وتبارك اعمالهم، والذين سمح لهم بأن يتخذوا من (مالطة) الجزيرة البحرية القريبة من الشواطئ الإسلامية، مركز انطلاق وعدوان.

١٩٣ / ٣٥٥