الإباضية في موكب التاريخ - الحلقة الثالثة: الإباضية في تونس علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ١٩٩

وما وصلوا مؤخرة الجند، ليريحوا سواعدهم المكدودة - فقد انهك الخوف قواهم، وشل الرعب اعصابهم - حتى واجهتهم فرسان المسلمين التي يقودها أبو الربيع، تدفع في نحورهم بالموت الزؤام، وذعروا فقد كانوا يعتقدون أنهم فروا من الموت، ونجوا من أيدي اولئك المسلمين الذين ينطلق الموت من أيديهم دون سلاح، فإذا بهم يفاجأون من جديد، وفركوا اعينهم من الدهشة، يتأكدون من الحقيقة، فلما أيقنوا بها، ظنوا انهم اخذوا، وغن المسلمين قد احاطوا بهم أحاطة السوار بالمعصم، فها هم يلاقونهم إذا تقدموا، وها هم يلاقونهم إذا تأخروا، انهم أين اتجهوا لم يروا إلا أشباح الموت تنطلق من صفوف المسلمين، وحاصوا حيصة الحمر، يفاجئها سبع صيود، وارتكبوا فيما بينهم، بعضهم يريد أن يتقدم، وبعضهم يريد أن يتأخر، ويعضهم يجرى إلى اليمين وبعضهم يجري إلى اليسار، وسرى هذا الارتباك إلى صفوف المقاتلين وعم جميع طوابير الجيش، فوقعت هذه الحركة بين صفوف الجند الذين لم يروا وجه العدو بعد. فامتلأوا خوفا، وقذف في قلوبهم الرعب، وحسبوا انهم وقعوا من المسلمين بين نارين، نار تترصدهم من الأمام، ونار تسوقهم من الخلف، فبلغ بهم الوهن أقصاه، والقوا بالسلاح، وجعلوا يلتمسون السبل للفرار. انه ليس بين أيديهم إلا الموت أو الفرار، ولم تعد تجدى فيهم، اوامر القادة او انذاراتهم، فولوا معرضين، والواحد منهم يقتل رفيقه ان اعتراض سبيله او عاقه عن المسير، وركب المسلمون ظهورهم يقتلونهم وهم يسيرون على غير هدى، حتى تراموا في البحر، وحال بينهم ظلام الليل. وعندما ارتفعت عنهم أيدي المؤمنين، كان الخوف والتعب قد بلغا منهم أشد ما يبلغ الخوف بلقب الجبان، والتعب بجسم العليل، فتهاووا على الأرض يريحون بقية الأجسام المكدورة، والقلوب المخلوعة.

١٩٩ / ٣٥٥