الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٢٠٠ورقدوا على ساحل البحر لأنهم يهتدوا إلى مواقع السفن، فقد ربط الرعب أيديهم وأرجلهم، وأعمى أبصارهم، فلم يستطيعوا ان ينتبينوا مواقعها ليلتجؤا إليها، وبينما هم يغطون في نوم عميق، صورت الحلام المزعجة، لأحدهم، إن المسلمين يأخذون بخناقهم ويهجمون عليهم في الظلام الدامس، في موقعهم ذلك، فاستيقظ مرعوبا وأخذ يصيح ويطلب النجدة. فاستيقظ القوم على صياحه وهم أشباه السكارى من ثقل النوم والتعب والخوف، فجعلوا يتجارون في الظرم الحالك على غير هدى، لا يعرفون اتجاههم، ولا يرون مواقع أقدامهم، وكانوا يترامون في البحر طمعا في ان يصلوا إلى سفنهم، أو أن يحميهم الماء من سيوف المسلمين فيما يحسبون، وكان البحر يبتلع في هدوء وسكينة حتى لم يبق منهم إلا القليل، وعند الصباح كانت الأمواج تتلاعب بحثث منتفخة وانواع من الملابس المحتلفة.
وتجمعت فلول الجيش الغازي في بقايا السفن يلتمسون البعد عن هذه الجزيرة التي لقنتهم درسا لا يمكن ان ينسى، والحقت بهم فضيحة وعارا في العالمين الشرقي والغربي، ولكن إرادة الله كانت لا تزال تخبئ لهم مفاجآت مما أعده الله للتنكيل بالمعتدين، فقد هبت عواصف شديدة منعت الأسطول من التحرك، وأغرقت عددا منها، وبعد أسبوع هدأت العاصفة فاقلع الأسطول يجر أذيال الخيبة، تاركا من ورائه ثلاثة آلاف قتيل، وثماني عشرة سفينة، وعددا كبيرا من الأسرى هو بطبيعة الحال اكثر من عدد القتلى، وقد قدره بعض المؤرخين بما يتراوح بين ستة وسبعين ألاف شخص، فيهم عدد كبير من الأسرى الذين غنتهم الأساطيل الأفرنجية في بعض المواقع السابقة فحملتهم معها ليجدفوا لها على السفن، او ليباعوا في الأسواق، فوجد اولئك الأسرى فرصتهم المناسة فكانوا يفرون من السفن الإفرنجية في الليل ويلتحقون بالمسلمين ناقلين إليهم اخبار عدوهم وما هو فيه من الحسرة والغيظ واللم.