الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٢٠٨وبعد أن قطع الجيش الأسباني شوطا من الطريق بدأ الأعياء يظهر جليا على الجند، واشتد العطش بين الرجال، وعلى الأخص الذين كلفوا بسحب البطاريات وبراميل البارود، واختل النظام ولم يعد في مقدور الضباط أن يرجعوا النظام إلى نصابه، اشتد العطش، وبدا الجنود يلهثون لهث الكلاب الصادية، ويتساقطون امواتا، اما " دون قرشيا الطليطلي " الذي لبس درعه المذهب وتسلم قيادة الجيش، فكان، يشجع رجاله ويعدهم بان أمامهم الآبار الفياضة، والمياه الفضية الباردة، والظل الظليل، تحت أشجار النخل والزيتون.
وتشجع الجيش قليلا طائعا او مكرها، وتعثر الجند في خطواتهم بين اليأس والرجاء، وقطعوا ما أمامهم من أرض رملية، وهم ينتظرون أن يروا بعدها ما وعدوا به، ليطفئوا غلتهم ويرووا ظمأهم من ماء الجزيرة البارد الفضى، فلم يروا شيئا ولم يصادفوا في طريقهم أي شخص صديقا كان أو عدوا، وكان لهدا الأثر الكبير في تثبيط هممهم، والقضاء على معنوياتهم وكم كان سرور الأسبان كبيرا عندما بدت امامهم خضرة الزيتون، وايقنوا أنهم سالمون حقا من الموت عطشا، وأن كثيرا أو قليلا مما وعدوا به قد تجلى وظهر، كان الوقت ظهرا عندما وصل الجنود غابات الزيتون في جزيرة جربة، وكانت الشمس حارة تلفح الأرض وتشوى الوجوه والأجسام، انها شمس اغوستو في الشمال الأفريقي دون شذوذ عن المعتاد، ووجد الجنود وسط هذه الغابات وعلى قارعة الطرق الآبار فعلا غير مقفلة أو مردومه، ومياهها الصافية النقية الباردة، تكاد تدعو الأسباني أن يلقى بنفسه فيها حتى يرتوى، ولكن عرب الجزيرة اشفقوا عليه من الارتماء في أحضان البئر، فتركوا قرب هذه الآبار جرات وقللا فارغة، وقدرا كافيا من الحبال لتساعد الجنود الأسبان المساكين، ورد الماء، واستخراجه من الأبار دون مشقة وعناء.
يا لها من انسانية ثعلب … !!!!