الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٢٢٣ولذلك فما سمع الناس بهجوم الإفرنج على الجزيرة، حتى تسارعو إلى لقاء العدو في ميدان القتال، واشتبك الفريقان في معركة حامية … غزاة يحملهم الجشع والطمع على القتال، يهاجمون حماة، يذودون عن الدين والوطن والعرض، مؤمنين بحقهم، وعدالة موقفهم، في هذا الدفاع المجيد، واثقين في نصر الله. ولم يطل الصراع. فلقد كان القائد الأسباني يدير المعركة وهو ينظر إلى صفوف جنوده، تتهاوى صرعى، صفا بعد صف. إن أسلحته النارية، كانت قليلة الجدوى، وكان ينظر إلى اولئك المسلمين الذين يتسابقون إلى الموت، وليس لديهم من الأسلحة الفتاكة شئ، وإنما يعتمدون على سيوف كليلة، وخناجر قصيرة، وعصى وما اشبه ذلك من السلاح البسيط، ولكنهم يملكون معها سواعد قوية لا تطيش ضرباتها، وقلوبا ربط عليها الإيمان، وإجساما خفيفة نشيطة متحركة تعرف متى وكيف تزوغ من وسائل التدمير، التي اعدها العدو، ولكنها حين تضرب تصيب الهدف، وتقع على المقتل، لأنها تقبل على الموت برغبة في الشهادة، وتضرب العدو بشجاعة، وتدافع عن الوطن بحمية. ورأى ((دون منكادا)) ما يحل بجيشه، وايقن إنه سائر في الطريق الذي سار فيه اسلافه، عندما تعرضوا لغزو جربة، فاستعصت عليهم، وليس هذا فحسب ولكنها برهنت لهم ان قواها المعنوية أقوى كثيرا مما حشدوا من قوى مادية. وواتاه الذكاء! الذكاء الذي يوات اسلافه في محنتهم، فرأى ان يقلل من الخسارة ما امكن ما دام لا يستطيع ان يتفادى الفضيحة، وصاح في الجيش يامر بالانسحاب، وكانت هذه الصيحة هى أحب ما ينتظره اولئك الجنود المساكين. وسرعان ما أطاع أفراد الجيش هذا الأمر الذي يعتبرونه السبيل الوحيد للبقاء على الحياة، وجر القائد بقايا جيشه المفلول، تاركا من ورائه ستمائة قتيل، وأضعاف ذلك من الأسرى، ولو استمر في القتال إلى الليل لوقع له ما وقع للجيوش السابقة، ولكنه تفادي الخسارة ورجع ببقية جنده إلى أسطوله، فامتطى السفن واطلق الأشرعة للريح …