الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٢٣٢وقفت جربة الجزيرة، الصغيرة، المعزولة، عن العالم، موقفها المشرف، كالصخرة الصماء، تتحطم عليها أساطيل القارصنة، وترتد عنها غارات المهاجمين من الإفرنج، وتذوب على سواحلها أعداد وعدد المعتدين من المستعمرين المتعصبين. وقفت تلك المواقف دون ان تعتمد على مساعدة، او تنتظر نجدة من احد، اللهم الا مرات ثلاث، ذلك لأن الدول القائمة حينئذ كانت من جهة عائمة في فتن داخلية، ومن جهة أخرى كان لا يهمها من الأقاليم التابعة لها إلا مقادير الأموال التي تدفع إليها، اما بقية الشئون فليس يهمها من أمرها شئ. هذا بالنسبة للدول اما السكان الذين كانوا يحيطون بالجزيرة من الخارج فقد غلا التعصب الذهبي أو العنصري أيدي بعضهم عن مساعدتها، وانشغل بعضهم بنفسه، إذ كان هو الآخر في ظروف ليست خيرا من ظروف جربة اما البعض الآخر فقد كان يحترف الغارة والنهب، وكثيرا ما ينتزى على جربة او على غيرها فيختلس أو يغضب ما تقع عليه يده في سرعة ويفر.
اما أخوان جربة في المذهب، في الديار البعيدة عنها، مثل ليبيا والجزائر وبعض بلاد الجريد، فقد كان فساد الحكم، وتعود بعض سكان البادبة على الغارة والتهب، وقطع الطرق. قد اضطرهم إلى البقاء في بلدانهم للمحافظة على انفسهم واموالهم. وهكذا كانت الجزيرة تصارع الاستعمار ان يثبت بها قدمه الافترات قصيرة في أول الأمر ثم صلب عودها فكانت تلقمه حجرا كلما حاول الإعتداء عليها، وحتى حين يتاح له أن ينتصر عليها انتصارا مؤقتا كانت لا تلبث ان تنتقم منه، وتاخذ بثأرها وترمى به وراء البحر. وكان على الدول الإسلامية القائمة في ذلك الحين - إذا لم تتمكن من مساعدتها بالمال والرجال والعتاد او ببعض ذلك - كان عليها على الأقل ان تتركها وشانها. لتقاوم تلك الأساطيل التي تعب في مراسها سنان وخير الدين ودرغوث وغيرهم. فلم تترك حتى لهذا النضال الشريف.