الإباضية في موكب التاريخ - الحلقة الثالثة: الإباضية في تونس علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ٢٣٦

لقد طالما كبدت هذه الجزيرة المسلمة، أساطيل الإفرنج خسائر فادحة، دون أن تتجاوز خسارتها في الأرواح في أكبر المعارك يضع عشرات، أما اليوم فقد ذهب على يد درغوث ألف ومائتان من المؤمنين الصادقين لقد قتل هذا العدد الهائل من المحاربين الكفاء وفر من أمكنته الفرصة ولم يبق في الجزيرة غير الضعاف الذين لا يجدون حيلة، ولا يهتدون سبيلا، ومكث درغوث في الجزيرة حتى رتب امورها، وعين عليها واليا واسند إليه الحكم، ثم رجع إلى مركز ولاية طرابلس منتفخ الأوداج بالنصر العظيم، وكان الوالى الذي تركه على جربة من النصف بحيث استطاعت الحاشية ان تتسلط عليه وتسيره في أغراضها وترتكب باسمه ما تشاء، فكثر الظلم، واهدرت الحقوق، وانتهكت الحرم، وتحقق الناس ما كان يخشاه فريق من العلماء من تبعيتهم لطرابلس، فضجوا بالشكوى، ولم يكن لهم ملاذ في ذلك الحين غير تونس، لنهم كانوا يرون ان البلاء إنما هو آت من طرابلس وعاصمة الخلافة فيما يبدو راضية بذلك.

وهكذا طالبوا بارجاع جربة إلى حكم تونس لينقدوا انفسهم من جور عمال طرابلس. فإن الدولة التونسية مع ضعفها في ذلك الحين لا تكلف الناس شيئا غير مبالغ من المال تؤدي إليها سنويا برسم الضرائب، وليس لها بعد الحصول على الأموال المطلوبة أي شأن بشؤون البلد الخاصة وكتب اتباع درغوث في جربة إليه بالحركة الجديدة، فجهز جيشا آخر وعاد إلى جربة يغلى غضبا. ولم يتقدم احد لمقاومته هذه المرة فدخل الجزيرة وبدأ سيلا من الانتقامات، وارتكب فيها من الفواحش ما يبرأ منه الدين والعرض فسلب الأموال، وقتل الأنفس، وسبى النساء والأطفال، وهكذا قضى القائد المسلم على الجزيرة القضاء الكامل، ولم يبق إلا من لم تصل إليه يد القائد، او يدى جنده، وكان فيمن قتله درغوث علامة زمانه الشيخ أبو سليمان داود التلاتي.

٢٣٦ / ٣٥٥